الصفحة 105 من 155

قال الله تعالى في كتابه الكريم:"إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ" [1] .

مما لا ريب فيه، أن قد وجد في كل زمان أناس حاولوا التحريف المعنوي لآيات القرآن، وذلك بصرف أحكامها الواضحة المحكمة عن مغزاها الحقيقي، وإنزالها على أهوائهم أو ميول ومطالب سادتهم وأولياء نعمتهم. إلا أن التحريف المعنوي الذي قد داهمنا في هذا الزمان للآية المذكورة أعلاه، لم يوجد ما هو أكثر منه شناعة وتضليلًا على مر التاريخ. فالذي تلجأ إليه التحريفات الأخرى في كثير من الأحيان، لا يعدو أن يكون قطع الآيات عن أخواتها في الموضوع وسلخها من سابقها ولاحقها، فهي تقصد الضرب على جزء من تعاليم الإسلام. أما هذا التحريف الجديد، فالمقصود من ورائه استئصال الأساس الذي عليه يدعو القرآن الكريم أهل الأرض جميعًا إلى صراطه المستقيم، بل فوق هذا يريد أن يزعزع القاعدة الكلية التي سنّها الله سبحانه وتعالى لهداية النوع البشري، والتي وجدت بموجبها سلسلة بعث الرسل وتنزيل الكتب منذ بدء الخليقة إلى البعثة المحمدية على صاحبها ألف تحية وسلام.

والحقيقة أن هذا التحريف قد أسدى إلى روح الضلال خدمة كان قد عجز عن مثلها أكابر أئمة الضلال والكفر على بعد نظرهم ومكرهم في التضليل، إذ هو يزود -في جانب- غير المسلمين بدليل من القرآن نفسه على عدم احتياجهم إلى قبول الحق، ويأخذ -في جانب آخر- بيد المنافقين والدخلاء على الجماعة الإسلامية من الذين يتململون دائمًا للتنصل من قيود الإسلام وحدوده حتى ينالوا الرخصة بلسان القرآن نفسه في إزالة الحاجز القائم بين الكفر والإسلام، ويزلزل -في الجانب الثالث- إيمان المؤمنين المتبعين للقرآن والسنة في داخل الجماعة الإسلامية حتى ليساورهم الشك بأن الإنسان ما دام من الممكن له أن يستحق النجاة، ولو بإنكار القرآن والسنة النبوية، وبغير حاجة إلى الإيمان بكتاب ولا برسالة، فمن العبث أن يتقيد بحدود الإسلام. إذ لا فرق البتة بين كونه مسلمًا أو يهوديًا أو نصرانيًا أو صائبيًا أو هندوكيًا أو غيره.

وجملة القول أن هذا التحريف هو ضربة معلم ( Master Stroke) تستهدف الإسلام من داخله وخارجه فليفرح الذكاء الذي استخرج من كتاب الهداية هذا السلاح القوي للغواية، ولعله أكبر افتراء على القرآن، ما رأت عين السماء أشنع منه في أي عصر من عصور الإسلام الماضية.

صادفني أن شاهدت عدة مظاهر لهذا التحريف. وقد وجدت المثقفين ثقافة عصرية أصبحوا ضحاياه بصفة خاصة، وكتب إليّ كثير من قراء مجلة"ترجمان القرآن"يشكون ما قد أثار هذا التفسير الجديد من أنواع الأغاليط والشبهات في عامة المسلمين، كما أني وجدت كثيرًا من مشاهير غير المسلمين يحاولون استغلال هذا التفسير لأغراضهم المخصوصة في كتاباتهم ومحاضراتهم، فرأيت من واجبي أن أقوم بتحديد المفهوم الصحيح للآية التي ندرسها في هذا المقال، وأدحض، بالقرآن نفسه، المعاني الغريبة التي ألبست هذه الآية بغاية من الدهاء والمكر، لأن القائل إذا فسر قوله بنفسه فليس من حق غيره أن يلبس هذا القول مفهومًا غير مفهومه المراد.

فالواجب قبل كل شيء بهذا الصدد، أن نعني بتجزئة هذه الآية، ونحدد المعنى لكل لفظة من ألفاظها على حدة، ثم نرى كيف ورد تفصيل الموضوع الذي تناولته الآية في مواضع أخرى من القرآن:

(1) البقرة: 63.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت