الصفحة 106 من 155

1 -قيل أولًا"إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ..."-أي مجرد الإيمان- ثم قيل مرة أخرى في خبر هذا المبتدأ:"مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ..."-أي الإيمان بالله والقيامة-، فمن هنا ينشأ السؤال: ما المراد بإيمان من قد آمنوا فعلًا؟ الظاهر أنه لو كان المراد بـ"الذين آمنوا"في أول الآية هم طائفة أهل الإسلام، وأن المراد بـ"مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ"، أولئك الذين هم متصفون في حقيقة الأمر بصفة الإيمان الصحيح الكامل بصرف النظر عن الطائفة التي ينتمون إليها.

إن التصورات الطائفية، التي كانت شائعةفي عهد نزول القرآن، هي بعينها شائعة في العصر الحاضر أيضًا. فلهذا لا يصعب علينا أن ندرك أن القرآن إنما يفرق في هذه الآية بين الذين هم مؤمنون لمجرد انتسابهم إلى طائفة أهل الإيمان، وبين الذين هم مؤمنون واقعيون متصفون بصفة الإيمان ومتمثلون لحقيقته في الواقع. فكما أننا نشاهد في هذا الزمان أن الدنيا تميز بين الأفراد من وجهة الطائفية، فيقال لرجل: مؤمن، أو مسلم، لمجرد أنه من جماعة المسلمين على حسب انقسام أفراد البشرية بين مختلف الجماعات، بصرف النظر عما إن كان هو مسلمًا في واقع الأمر أم لا، ويقال لفرد من اليهود والنصارى والبوذيين: يهودي أو نصراني أو بوذي باعتبار انتسابه إلى ديانة من تلك الديانات وبصرف النظر عما إن كان مؤمنًا بمبادئ طائفته في واقع الأمر أم لا، كذلك كان النوع البشري في عهد نزول القرآن موزعًا بين عدد من الطوائف على حسب الظواهر بدون اعتبار الواقع. فكان يميّز بين مختلف الأشخاص والجماعات باعتبار أن فلانًا من جماعة محمد صلى الله عليه وسلم، وفلانًا من طائفة اليهود، وفلانًا من طائفة النصارى وهلّمجرا، ومن هنا كان المنافقون أيضًا يعدون من جماعة المسلمين -الذين آمنوا- مع أنهم لم يكونوا مسلمين في حقيقة الأمر.

والذي يقصده الله سبحانه وتعالى في هذه الآية هو أن يوضح فساد وجهة النظر هذه، ولهذا فإنه يذكر مختلف الطوائف بأسمائها المشهورة قبل أن يذكر واقع الأمر، وقد بدأ بذكر جماعة المسلمين.

2 -"وَالَّذِينَ هَادُوا". وليس المراد باليهود أيضًا -كما قلنا بالنسبة للذين آمنوا المذكورين في أول الآية- أولئك الذين اختاروا عقيدة اليهود وانتهجوا نهجهم في حقيقة الأمر، فإن الحكم لهم هو ما يأتي بيانه في ما بعد، بل المراد بهم جميع أولئك الذين يعدون من طائفة اليهود.

3 -"وَالنَّصَارَى"-ليس المراد بهم أيضًا- حسب سياق الكلام- أولئك الذين يعتقدون النصرانية في واقع الأمر، بل المراد بهم أيضًا جميع أولئك الذين يعدون من طائفة النصارى.

4 -"وَالصَّابِئِينَ"-لقد كانت هذه الكلمة تطلق على طائفة في العراق والجزيرة كانت قد امتزجت في عقائدها تعاليم الأنبياء السابقين مع عبادة الملائكة والكواكب، والمراد بهم أيضًا في هذه الآية أفراد هذه الطائفة لا المعتقدون بهذه الديانة في واقع الأمر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت