الصفحة 107 من 155

5 -"مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ"-الحقيقة أن الله سبحانه وتعالى يريد بهذا الجزء من الآية، أن يفنّد الفكرة السائدة عند الناس عامة، وهي أن الناس سيُحشرون في الآخرة بموجب التصنيف الطائفي، وباعتبار أنسابهم وأسمائهم الصورية في الدنيا، فيعتقد اليهود أن النجاة خالصة لمن هو معدود في طائفة اليهود دون سائر الناس. ويظن النصراني أن الدخول في النصرانية دخول في أهل الحق، وكل ما هو خارج هذه الدائرة يكون على الباطل، وكذلك قد بدأ المسلمون يظنون أن من هو داخل في جماعتهم على اعتبار اسمه وأسرته ومولده هو مسلم وله الشرف والفضيلة على كل من ليس بداخل في جماعتهم بموجب تلك الاعتبارات. فتفنيدًا لهذه الفكرة الخاطئة يقول سبحانه وتعالى أن ليس الفرق الحقيقي بين الإنسان والإنسان على حسب الطائفية الظاهرة، بل الذي عليه المدار هو الإيمان والعمل الصالح، وليس كل من تسمى بأسماء المسلمين مع خلوه من الإيمان وابتعاده عن العمل الصالح، بمؤمن في واقع الأمر. ولن يكون في عاقبته مثل المؤمنين الحقيقيين، وكذلك ليس كل من ينتسب إلى اليهودية أو النصرانية أو الصابئة إذا تحلى بصفة الإيمان والعمل الصالح، يهوديًا أو نصرانيًا أو صابئًا، بل هو مؤمن سيُحشر مع المؤمنين والصالحين في الآخرة. وأما إذا كان متجردًا من هذه الصفات، فكما أن الاعتداد في جماعة المسلمين لا يغني عن الإنسان شيئًا، كذلك فإن اعتداده من اليهود أو النصارى أو الصابئين لا يرجع عليه بفائدة في الآخرة.

والله تعالى قد ذكر في عدة مواضع أخرى من كتابه النزعة الطائفية التي كانت تسود اليهود والنصارى بصفة خاصة، وفندها بما لا مزيد عليه، فقال مثلًا:"وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ" [1] . وقال:"وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ" [2] . وقال:"ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ، فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ" [3] . وقال:"قُلْ -أي لهؤلاء اليهود والنصارى- إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ عِندَ اللّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ" [4] .

(1) البقرة: 111 - 112.

(2) المائدة: 18.

(3) آل عمران: 24 - 25.

(4) البقرة: 94.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت