الصفحة 108 من 155

فكل هذه الآيات إنما تكشف عن حقيقة بعينها، هي أن الله عز وجل ليست عليه دالة لطائفة في الأرض، ولا أن طائفة خاصة مستأثرة بالنجاة عنده، فليس من حق أحد من الناس أن يُعامل بصفة خاصة بناء على أنه ولد في أمة معينة أو ينتمي إلى جماعة خاصة، بل الجميع من حيث هم أفراد الجيش البشري، لا فرق بينهم البتة في نظر الله. لأن الاعتبار الحقيقي عند الله ما هو للانتسابات أو القوميات، بل هو للمبادئ والحقائق. فإن آمنتم بصدق قلوبكم وعملتم الصالحات نلتم جزاء حسنًا عند الله، وإن بقيتم على غير شيء من الإيمان والعمل الصالح فلا شيء ينقذكم من العقاب والعذاب الأليم، ولو إلى أي طائفة أو جنس كنتم تنتسبون. والله تعالى قد صرح بهذه الحقيقة في موضع آخر من كتابه حيث يقول مخاطبًا المسلمين"لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا، وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا" [1] .

وهذا المعنى بعينه قد جاء ذكره في الآية تحت النقاش ولكن بأسلوب آخر.

إن سياق الكلام الذي جاءت فيه هذه الآية، ما كان البحث فيه البتة عن الأمور التي يجب على المرء أن يؤمن بها ليُعدّ مؤمنًا، ولا عن المقياس الذي يجب أن يأخذ به في أعماله حتى تعد صالحة، إذ قد جاء بيان هذه التفاصيل في مواضع آخرى من القرآن. بل الذي يتعلق به البحث ههنا، هو بيان القاعدة الكلية القائلة بأن الاعتبار الحقيقي عند الله هو للحقائق الواقعة لا للأشكال الصورية والمظاهر الخارجية والانتسابات الظاهرة التي يستميت الناس في سبيلها في الدنيا، ولهذا فقد أشير إلى هذه الحقائق إشارة خاطفة في الآية. فإذا جاء أحد الآن يستنبط من كل ذلك أن هذه الآية لما لم يأت فيها إلا ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر، فالإيمان بهما فقط يكفي للنجاة، وأن لا حاجة للإنسان بعد ذلك إلى الإيمان برسول ولا كتاب ولا إلى اتباع شريعة، أو قال أن ليس المقصود من دعوة القرآن إلا أن يكون النصراني راسخًا في نصرانيته واليهودي في يهوديته والهندوكي في هندوكيته، ويتبع كل واحد منهم اتباعًا محكمًا لما هو عليه من الدين، وأما الإيمان بالقرآن والرسالة المحمدية، فما هو بشرط للنجاة -فإنا نقول بالنسبة لمثل هذا الرجل: إنه لا يفسر القرآن بل يستهزئ به، ولا يصح الأخذ برأيه إلا إذا كفرنا بالقرآن كله إلا هذه الآية.

مما لا مجال فيه للريب أن أصل الدين هو الإيمان بالله. ولهذا قد جاء ذكره قبل غيره في الآية تحت النقاش، ولكن ليس معنى الإيمان بالله أن يقر الإنسان بوجود الله ويقول بوحدانيته فحسب، إذ القرآن بنفسه يبين لنا بكل وضوح ما هو مراده بالإيمان بالله في قوله:"بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ"-هنا قد جاء بيان مراد القرآن بالإيمان وهو"الإسلام"أي أن يجعل الإنسان نفسه تابعًا لمرضاة الله، وأجر الإسلام في الآية المذكورة هو بعين ما جاء ذكره في آية"إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى .."، إلى قوله تعالى"لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ".

(1) النساء: 123 - 124.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت