وفي مواضع أخرى من القرآن قد جاء المزيد من التفصيل لهذا الإيمان فقيل إن الإنسان لا يمكنه أن ينال مثل هذا الإيمان -أو الإسلام بكلمة أخرى- إلا بواسطة أنبياء الله وكتبه، ولا يستطيع أبدًا أن يوجد لنفسه عقيدة عن الله والآخرة أو يخترع نظرية عن مكارم الأخلاق من تلقاء نفسه، أو يختار من عند نفسه أمورًا من دين زيد وأخرى من دين عمرو ثم يقول إنه"مؤمن"في نظر القرآن. اقرأ إن شئت قوله تبارك وتعالى"قُولُوا آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ، فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ" [1] . وقد أعيد هذا الموضوع نفسه في سورة آل عمران وقيل بعد جملة"وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ":"وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ" [2] . وقيل في موضع آخر من هذه السورة"فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا" [3] .
فالواضح بكل صراحةمن هذه الآيات أن ليس المراد"بالإيمان بالله"في الآية تحت التفسير الاعتقاد بالله فقط. بل المراد أن تؤمن بالله وفقًا لتعليم الأنبياء والكتب السماوية. وإنه هو الإسلام. والقرآن في غير آية واحدة من آياته يبدئ ويعيد في بيان أن وسيلة النبي والكتب مما لا غنى عنه أبدًا لاهتداء الإنسان إلى صراط الله المستقيم، فبناء على هذا لا يمكن لإنسان أن يكون مؤمنًا في نظر القرآن ما دام لا يؤمن -مع إيمانه بالله- بأنبياء الله وكتبه. قال الله تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) [4] وقال"وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا بَعِيدًا" [5] وقال"وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُّكْرًا، فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا" [6] .
(1) البقرة: 136 - 137.
(2) آل عمران: 85.
(3) آل عمران: 20.
(4) النور: 62.
(5) النساء: 136.
(6) الطلاق: 8 - 9.