هذه بعض تلك الآيات التي قيل فيها بكل صراحة أن العلاقة بين الإيمان بالله والإيمان برسله وكتبه علاقة لا انفكاك لها، وأنه لا يمكن لمن يكفر بالرسالة أن يكون مؤمنًا، وأن ليس معنى الإيمان بالكتب والرسل أن يعترف الإنسان لحد اللسان بعظمة الرسل وجلالة مكانتهم ويقول لحد القول إني مؤمن بهم وبما جاءوا به من الكتب. إن الاعتراف التعظيمي -كاعتراف الغاندي وأمثاله لله تعالى- لا يكفي للإيمان أبدًا، بل لا بد للإيمان من الطاعة العملية. ومن شروطه اللازمة التسليم بالقاعدة الكلية القائلة بأن قول النبي هو الحجة وليس من حق أي مؤمن أن يعمل برأيه إزاء رأي النبي وأمره. وفي هذ المعنى قال الله تعالى:"وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ" [1] ، وقال:"مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ" [2] ، وقال:"وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا" [3] ، وقال:"وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا" [4] ، وقال:"فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا" [5] .
وقد صرح القرآن -مع هذا- بأن الإيمان بنبي أو عدد من الأنبياء أو بكتاب أو عدد من الكتب لا يغني عن الإنسان شيئًا، بل من اللازم أن يؤمن بجميع الأنبياء وجميع الكتب الإلهية، حتى إنه إذا كفر بنبي واحد، فكأنه كفر بجميع الأنبياء بل وبالله نفسه كما أشارت إلى ذلك الآية التالية:"إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا، أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا" [6] . ذلك بأن الأنبياء كلهم جماعة واحدة لا تقبل التفرقة، ولا يدعون إلا إلى شيء واحد، فالكفر بواحد منهم كفر بجميعهم، بل هو رفض للدين بأسره، لأنه إذا كان لديك عشرة رجال لا يقول كل واحد منهم إلا قولًا بعينه فلا بد لك إذا أردت تصديقهم أن تصدقهم جميعًا أو إذا أردت تكذيبهم أن تكذبهم جميعًا. أما إذا جئت تصدق تسعة وتكذب واحدًا منهم، فكأنك في الحقيقة تكذبهم جميعًا بل تكذب القول الذي يبينونه إجماعيًا وفي ذلك يقول الله تعالى:"يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ ... وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ" [7] ويقول:"شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ" [8] .
(1) النساء: 64.
(2) النساء: 80.
(3) النساء: 115.
(4) الأحزاب: 36.
(5) النساء: 65.
(6) النساء: 150 - 151.
(7) المؤمنون: 51 - 52.
(8) الشورى: 13.