الصفحة 111 من 155

والذي يوجب على الإنسان حسب هذه القاعدة الكلية، أن يصدق محمدًا صلى الله عليه وسلم والقرآن، أنه إذا آمن بسائر الأنبياء ولم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم أو آمن بسائر الكتب السماوية ولم يؤمن بالقرآن، فإنه في حقيقة الأمر منكر لجميع الأنبياء والكتب بل لأصل الدين كله، كما قلنا آنفًا. وهذا ما قد جاء التصريح عنه في عدة آيات من القرآن، وبناء عليه أمر المؤمنون بسائر الأنيباء السابقين والكتب الإلهية السابقة أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، وقيل لهم إنكم إذا لم تؤمنوا بهما، كنتم من الكافرين:"وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ" [1] "نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ... إلى قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ" [2] ."يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ" [3] .وأوضح من هذه الآيات كلها تلك الآية التي قيل فيها"وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ .. إلى آخر الآية أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ" [4] . فهذه الآية الأخيرة تفسر الآية تحت البحث أحسن تفسير وأوضحه. فيبنما قيل فيها إن من يؤمن بالله واليوم الآخر من المسلمين واليهود والنصارى والصابئين ينال أجره من الله تعالى قيل في آية إن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله ... المذكروة آنفًا كتفسير للآية تحت النقاش: إن الأجر عند الله لن يناله أحد من أهل الكتاب بعد ما قد جاءه محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن الحكيم، إلا إذا آمن بهما مع إيمانه بالأنبياء السابقين وما نزل عليهم من الكتب. وأي تفسير للآية تحت النقاش يكون أوضح وأبين من هذا التفسير؟

أما الذي يستخرج من هذه الآية أن رسوخ اليهودي في يهوديته والنصراني في نصرانيته والهندوكي في هندوكيته فيه كفاية لاهتدائه إلى صراط اللهالمستقيم، واستحقاقه الأجر عنده في الآخرة، فإنه يفسر القرآن مخالفًا لبيان القرآن الصريح. نعم، إن القرآن يدعو أهل الكتاب إلى اتباع التوراة والإنجيل، ولكن هل تدري ما معنى هذه الدعوة؟ ليس معناها أبدًا أن يتبع أهل الكتاب توراتهم وإنجيلهم غير مبالين بالقرآن والرسالة المحمدية، بل معناها في حقيقة الأمر أن يتبعوا ما جاء في التوراة والإنجيل من الوصايا المتكررة بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وتصديقه واتباع رسالته، ولهذا قد قيل في القرآن أن الاتباع الصحيح للتوراة والإنجيل الآن هو في اتباع القرآن ومحمد صلى الله عليه وسلم"قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ" [5] ."الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ ... إلى آخر الآية، أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" [6] .

(1) البقرة: 89.

(2) آل عمران: 3 - 4.

(3) النساء: 47.

(4) آل عمران: 199.

(5) المائدة: 68.

(6) الأعراف: 157.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت