وليس ذلك لأجلأن القرآن لا يعرض إلا نفس الرسالة التي كانت تعرضها التوراة والإنجيل من قبل فحسب، بل لأن القرآن هو أحدث وآخر صورة ( Latest -Last Edition) لهذه الرسالة، فقد أضيف إليه أمور لم تكن في الرسالات الماضية، وحذف منه أمور ما بقيت للناس حاجة إليها الآن. فالذي يُعرض عن الرسالة الأخيرة، فإنه لا يرتكب معصية الله فحسب، بل يحرم نفسه من الكثير من المنافع التي تتضمنها الرسالة الأخيرة، ويحتاج إليها العباد في معاشهم ومعادهم، قال تعالى"يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ" [1] ،"وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ" [2] .
وفوق هذا وذاك، فإن الإيمان بالقرآن ومحمد صلى الله عليه وسلم لا مناص منه لأهل الكتاب ولا لغيرهم، لأن أهل الكتاب قد حرّفوا الكتب السابقة وأضاعوا بعضها كأصل الإنجيل المنزل إليهم من الله ونسوا كثيرًا مما فيها، مما لم يعد من الممكن بعده لأحد من الناس أن يتبع موسى وعيسى عليهما السلام اتباعًا خالصًا بدون اتباعه للقرآن ومحمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى:"يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ" [3] ،"وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ" [4] .
فالظاهر الآن أنه إذا لم يكن لأهل الكتاب -الذين قد صرح القرآن بأنهم أوتوا الكتاب من الله -سبيل إلى النجاة إلا أن يتبعوا القرآن ومحمدًا صلى الله عليه وسلم، فأنى للأمم غيرهم -التي إنما افتُرض كونها من أهل الكتاب بناء على قاعدة"لِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ"العامة- أن تجد سبيلًا إلى النجاة والسعادة بدون اتباع القرآن ومحمد صلى الله عليه وسلم؟
أما قول أصحابنا"إن الإسلام لا يحتكر الصدق لنفسه بل هو يصدق أيضًا كل ما سواه من الأديان في الأرض، وليس من دعواه أن الناس لن يهتدوا ولن يستحقوا النجاة ما داموا لا يدخلون فيه بتركهم أديانهم التي هم عليها الآن، بل هو يقول بالنسبة لأهل الأرض أجمعين أن عليه أن يتبعوا بكل جد واهتمام التعاليم الأصلية لأديانهم"فلا شك أنه قول يفيض تسامحًا في ظاهر الأمر، ولكنك إذ تأملت فيه، وجدته في منتهى السخافة واللغو، لأنه كما لا يمكن أن يكون الخط المستقيم بين نقطتين إلا واحدًا، كذلك لا يمكن أن يكون الطريق المستقيم بين الله والإنسان إلا واحدًا. والإسلام إذا قال عن نفسه أنه هو الصراط المستقيم بين الله والإنسان، لزم هذا الحكم على كل ما سواه من الطرق بالزيغ والاعوجاج والنقص والخطأ. فلا يليق برجل عنده مسحة من العقل أن يقول عن طريق أنه صراط مستقيم، ثم يقول في الوقت نفسه عن الطرق المختلفة الأخرى أنها أيضًا طرق مستقيمة. إذا كان هذا هو التسامح، فإنه تسامح كاذب يأباه القرآن بكل قوة، ويأمر محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يعلن بملء فيه:"وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" [5] .
(1) المائدة: 15.
(2) الأعراف: 157.
(3) المائدة: 13.
(4) المائدة: 14.
(5) الأنعام: 153.