بعث محمد صلى الله عليه وسلم ليدعو الناس جميعًا إلى دينه، فكان واثقًا كل الثقة بكونه على الحق ولم يكن من المذبذبين المترددين، ولم يكن من المتملقين حتى يستعد للمهادنة والمصالحة مع الذين يسلكون طرقًا متضاربة. وقدر ما يكون التسامح شيئًا محمودًا، قدر ما يكون الكذب والمخادعة والتزوير شيئًا يستحق النكير والازدراء والمقت بل أكثر منه بدرجات. والذي تسوّل له نفسه بأن يتظاهر بمثل هذا التسامح، فليقل ما شاء من عند نفسه، ولكن ليس من حقه أبدًا أن يقوّل القرآن ما لم يقله، فإن القرآن -على العكس من ذلك- يقول بكل صراحة أن النوع البشري لا سبيل له إلى النجاة والسعادة إلا اتباع القرآن ومحمد صلى الله عليهوسلم، وأن من أعرض عن اتباعهما، كانت عاقبته ضلالة في الدنيا وخسرانًا في الآخرة. قال تعالى:"قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا" [1] "وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ" [2] "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا" [3] "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ" [4] "يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَّكُمْ وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ" [5] "وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ" [6] "وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ" [7] "وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ إلى آخر قوله ... وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ" [8] "فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" [9] "وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ، ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ" [10] "قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا، رَّسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ" [11] "قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ .. فإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ" [12] .
إن الجزم والتأكيد والقوة في البيان الذي يوجد في ما ذكرنا من الآيات، لا يكمن أن يوجد إلا في كلام يكون قائله واثقًا كل الثقة عالمًا احسن العلم بكونه على الحق والصدق، عاقدًا عزيمته على إصلاح النوع البشري كله على حسب علمه، والمحال البتة أن يقدر على هذا الجزم والتأكيد والقوة أصحاب القوة الواهنة والعزيمة المتهلهلة والأرواح المريضة والعقول الكليلة، ممن لا نصيب لهم من علم الحق ومع هذا يتمنون أن يكسبوا رضا الجميع، فماذا يمكن أن يصدر عنهم سوى أن يقولوا للناس"أيها الإخوان! إنكم جميعًا على الخير وإنكم جميعًا على الصدق".
(1) الأعراف: 158.
(2) الأنعام: 19.
(3) سبأ: 28.
(4) البقرة: 308.
(5) النساء: 170.
(6) البقرة: 99.
(7) البقرة: 121.
(8) العنكبوت: 47.
(9) النور: 63.
(10) محمد: 2 - 3.
(11) الطلاق: 10 - 11.
(12) آل عمران: 31 - 32.