الصفحة 114 من 155

(ادعى أحد الكتاب أن الخلافة التي أعطيها أبونا آدم عليه السلام ما كانت بمعنى أن الله جعله خليفة في الأرض، وإنما كانت بمعنى أن جعله قائمًا مقام من كان يسكن الأرض قبله. وكان من زعم الكاتب كذلك أن ليس معنى الخلافة إلا أن يقوم أحد مقام غيره بعد موته. فما فكرة الخلافة الإلهية -كذا قال الكاتب- إلا فكرة باطلة وقد انتقدنا ذلك على صفحات"ترجمان القرآن"بكلمة مختصرة أولًا، ثم تصدى كاتب آخر ونشر في مجلته تعقيبًا على كلمتنا هذه، فجوابًا على تعقيبه كتبنا الكلمة التالية) :

مما يجب علينا قبل أي شيء آخر في صدد بحث الخلافة، أن نرجع إلى كتب لغة العرب، ونحقق ما إن كان معنى كلمة"الخلافة"باللغة العربية أن يقوم أحد مقام غيره بعد موته فحسب، أم لها معنى"النيابة"أيضًا؟

يقول الإمام الراغب الأصفهاني في كتابه"مفردات القرآن": الخلافة نيابة عن الغير إما لغيبة المنوب عنه وإما لموته وإما لعجزه وإما لتشريف المستخلف.

وليس من اللازم للخلافة أن يموت المنوب عنه أو يكون غائبًا. يقول الإمام الراغب:"خلف فلان فلانًا قام بالأمر عنه إما معه وإما بعده".

ويحدث التغير في معنى هذه المادة حسب خصائص الأبواب المشتقة منها. فمعنى"خلف فلان فلانًا: كان خليفته، أو جاء بعده أو بقي بعده. وفي تاج العروس:"خلفه خلافة: كان خليفته وبقي بعده وجاء بعده"، وجاء في التنزيل العزيز:"فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ"- (الأعراف: 169) . وجاء:"وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي" (الأعراف: 143) . وجاء:"قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ" (الأعراف: 150) ، وجاء"وَلَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ" (الزخرف: 60) ."

ومعنى التخلف: التأخر، يقول الله عز وجل"مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللّهِ" (التوبة: 120) .

ومعنى الاخلاف: رد الشيء الذاهب أو إعطاء العوض عنه. يقول العلامة ابن الأثير في النهاية: أخلف الله لك وعليك خيرًا أي أبدلك بما ذهب عنك وعوضك عنه"ومن ذلك قوله عز وجل"وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ" (سبأ: 39) "ويقال"تكفل الله للغازي أن يخلف نفقته."

ومعنى"خلف فلانًا": جعله خليفته كاستخلفه (تاج العروس) .

وإذا لم تكن ثمة صراحة بالنوب عنه فمعنى"استخلف فلانًا أي جعله خليفة له"، وإذا كانت فمعنى"استخلف فلانًا من فلان": جعله مكانه (أقرب الموارد) . فمعنى الاستخلاف في كل موضع لم يصرح فيه القرآن بالمستخلف له ولا بالإشارة إليه كقوله:"لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ" (النور: 55) مثلًا: أن الله جعل المستخلف خليفته، وحيث أشار القرآن إلى المستخلف له فيكون معناه أن الله جعل المستخلف مكان المستخلف له أو جعله خليفته من بعده. ولكن من الجدير بالملاحظة أن الاستخلاف شامل لكلا هذين المفهومين إذا ذكر استخلاف أحد بعد غيره. فإذا قيل -مثلًا-"استخلف الملك اللورد اروين بعد اللورد ريدينج في ولاية الهند"فمعناه أن الملك جعل اللورد اروين خليفته في ولاية الهند بعد اللورد ريدينج. ولا تناقض بين هذين المعنيين أبدًا. فمعنى قوله تعالى"إِن يَشَا يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاءُ"أن الله سيجعل غيركم مكانكم ومعناه في الوقت ذاته: أنه سيجعل غيركم خلفاءه بدلًا منكم، وبموجب قواعد اللغة لا مانع البتة لصحة كلا هذين المعنيين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت