إذن فمعنى"جعله خليفة"هو مجرد الاستخلاف. وأما الخليفة فسواء أكان معناه:"النائب عن أحد"أم"القائم مكانه"، فما مفهومه في كلتا الصورتين إلا مفهوم عرض لا يكتمل بدون أن يكون للخليفة من يستخلف له أو ينوب عنه بصرف النظر عما إن كان مقدرًا أو مذكورًا. فمعنى"الخليفة"واضح لا إشكال فيه في كل موضع صرح القرآن معه بالمستخلف له وذلك كقوله تعالى"وَاذكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ" (الأعراف: 69) وكقوله تعالى"وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ" (الأعراف: 74) أو كقوله تعالى"ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ" (يونس: 14) ، ولكن لا بد أن يكون المستخلف له مقدرًا حيثما ذكر الخليفة ولم يذكر معه من هو خليفته وذلك كقوله عز وجل"يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ" (سورة ص: 26) وكقوله عز وجل"وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ" (النمل: 62) وكقوله عز وجل"وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ" (الأنعام: 165) ، فالسؤال بالنسبة لكل هذه الآيات: من الذي ذكر فيها أن الإنسان خليفته أو أن الناس خلفاؤه؟ إن قلت إنه الخلائق الماضية أو الأمم المنصرمة أو الملوك المتقدمون، فبصرف النظر عما في ذلك من تكلف محض، فإن هذا المعنى لا ينسجم أبدًا مع ما جاء في بعض هذه الآيات كقوله تعالى"وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ"-فقد أضيف الخلفاء في هذه الآية إلى الأرض، فأين المجال في ذلك لتفسيرهم بخلفاء من كان يسكن الأرض قبلهم؟ ثم إن قلت إن معنى قوله تعالى"إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً": إني جاعل في الأرض خليفة لمن كان يسكنها من قبل، فهل الله عز وجل قد ذكر في أي موضع من كتابه من كان يسكن الأرض قبل الإنسان حتى جعل إلى الإنسان خلافته؟ فإن ذكره، ففي أي آية من القرآن؟ وإن لم يذكره فقل أي المعنيين لهذه الآية أقرب إلى الفهم حسب قواعد اللغة والأدب. أهو أني جاعل في الأرض خليفة لساكنها الذي يجهل حاله، أم أني جاعل في الأرض خليفة لنفسي؟ وما رأيك .. إذا كان السامع لا يعرف إلا اللغة العربية ولم يكن له أدنى علم بالمقدمات العقلية التي قد رتبها الشيخ ... واستخرج منها نتيجة غريبة، فأي المعنيين يختار لكلمة"خليفة"في هذه الآية؟
مفهوم الحكومة في كلمة"الخلافة":
وأرجو أن تسمح لي بعد هذا التحقيق اللغوي حول كلمة"الخلافة"بأن أدعوك إلى التفكر في ذلك المفهوم لكلمة"الخلافة"، الذي قد ذهبت إليه أنت والشيخ ... وقد بينته بقولك:
"المراد بالخلافة في الأرض: سلطة الأرض وحكومتها".