الصفحة 116 من 155

ويفسر الشيخ قوله تعالى"إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً"بـ:"إني جاعل في الأرض ملكًا"ويعلق على ذلك بقوله:"لقد جعل آدم عليه السلام ملكًا في الأرض مكان ساكنيها المتقدمين"تفكر ... ليس معنى كلمة"الخلافة"إلا قيام أحد مكان غيره أو مجيئه من بعده، فمن أين دخل فيها مفهوم السلطة والحكومة؟ وإن كانت نفس كلمة الخلافة خالية من هذا المفهوم -وهي كذلك بدون ما ريب- فلا يجوز أن يدخل فيها هذا المفهوم إلا باعتبار أن يكون الخليفة قد نال الخلافة من حاكم أو سلطان، فإذا نال الإنسان هذه الخلافة -وفيها لمعة من السلطة والحكومة على حسب اعترافك- فلا بد من الاعتراف بأن الذي صار الإنسان خليفته كان حاكمًا، ولكن هل يدل القرآن أو يدل تحقيق علمي على أن كان في الأرض قبل الإنسان مخلوق يتمتع بالسلطة والحكومة؟ لا بد للسلطة والحكومة من العلم والحكمة والإرادة والاختيار والقوة وما إلى ذلك من الصفات الأخرى، لأنه لا يمكن بدونها أن تحكم الأرض وما فيها. وقد ثبت بالتحقيقات العلمية أنه لم يكن على وجه الكرة الأرضية قبل الإنسان مخلوق متصف بهذه الصفات. وذلك ما يصدّقه القرآن أيضًا فيصرّح أن المخلوق الذي كان أفضل خلائق الله قبل الإنسان -أي الملائكة- (وقد قيل بشأنهم: عباد مكرمون) كان جاهلًا بعلم الأشياء وذلك في قوله تعالى:"ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا" (البقرة: 31و32) وكان على حرمان تام من حرية الإرادة والاختيار كما قيل:"لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ" (التحريم: 6) . أما الجن -وهم المخلوق الثاني- فإن القرآن ما بين عنهم شيئًا يدل على أن كان لهم نوع من السلطة والحكومة في الأرض. وأما الحيوانات والنباتات والجمادات، فلا يخفى عليك أمر له، فأي مخلوق إذن قد نال الإنسان خلافته مع شرف سلطة الأرض وحكومتها؟

غير أننا إذا سلمنا بأنها خلافة ساكني الأرض المتقدمين، وأن كان أولئك الساكنون حكام الأرض قبل الإنسان، فهل كانوا حكامًا بالأصالة، أم كانت حاكميتهم بالنيابة، كحاكمية الإنسان؟ لا يجوز أن تقول بالأول، لأن الحاكم بالأصل وبالذات هو الحق تعالى وحده بموجب العقيدة الإسلامية، وما حاكمية كل من سواه إلا بالعطاء والمنحة منه. وأما إذا قلت بالثاني، فلا بد أن تقول بسلسلة غير متناهية للخلافة أو تقول بأن شرف هذه الحاكمية، مهما ناله الخلفاء كابرًا عن كابر، فما مصدره على كل حال إلا الله تبارك وتعالى، ومن المحال أن تكون في الخلافة لمعة من الحاكمية الملكية إلا بأن تكون خلافة إلهية.

الأقوال القرآنية:

ودعني الآن ألفت نظرك إلى أقوال قرآنية تشير إلى أن الخلافة التي قد أكرم بها الإنسان، هي الخلافة الإلهية.

يقول القرآن إن الله قد خلق الإنسان في أحسن تقويم"لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ" (التين: 4) . وأنه قد خلقه بيده"قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ" (سورة ص75) ، وأنه قد نفخ فيه من روحه"ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ" (السجدة: 9) ، وأنه قد شرّفه بنعمة العلم"وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا" (البقرة: 31) وأنه قد سخّر له كل ما في السماوات والأرض"وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ" (الجاثية 13) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت