الصفحة 117 من 155

ومن بيانه كذلك أنه لما اكتمل خلق الإنسان بهذه الصفات، أمر الله سبحانه وتعالى الملائكة أن يسجدوا له. ومن الجدير بالملاحظة على الوجه الخاص، الأسلوب الذي قد ورد به هذا الأمر في آخر سورة (ص) . يقول جل جلاله:"إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ، فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ، إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ، قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ، قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ، قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ" (الآيات: 71، 72، 73، 74، 75، 76، 77) .

فمما تدل عليه هذه الآية أن السبب الذي لأجله أمر الله الملائكة بالسجود لآدم هو أن كان خلقه بيديه، أي كان مظهرًا تامًا لقدرته تعالى وصنعته، وكان قد نفخ فيه من روحه أي أودعه على نطاق محدود الصفات الموجودة في ذات البارئ تعالى نفسه. ثم أعلن بعد خلق الإنسان بهذه المواهب والمزايا إني جاعله خليفة في الأرض، كما ورد ذلك في سورة البقرة. فلما أبدى الملائكة شبهات في هذا الشأن، أبرز لهم الله أفضل ما كان في الإنسان من مواهبه، أي موهبة العلم. وهكذا لما ثبتت قابلية الإنسان للخلافة، أمر الله الملائكة بأن يعترفوا بخلافته ويسجدوا له رمزًا لاعترافهم بها، فاعترف بها الملائكة كلهم أجمعون وسجدوا لآدم إلا إبليس فإنه أبى واستكبر فطرده الله من جنابه وجعل عليه لعنته إلى يوم الدين.

فماذا تدل عليه كل هذه الأقوال؟ إن الله يظهر فضل الإنسان على سائر خلائقه ويثبتها في مسابقة عامة، ويقول إنه المظهر التام لصفاتي وقد نفخت فيه من روحي، ثم يأمر الملائكة -أفضل خلائقه- بأن يسجدوا له، ثم يعلن مع كل هذا إني جاعله خليفة في الأرض. فهل الخليفة الذي أُعلنت خلافته مع هذه المواهب، كان خليفة لساكني الأرض المتقدمين فحسب؟ ولو أن الأمر كان مقتصرًا على إسكان مخلوق جديد مكان مخلوق سابق، فأي حاجة كانت يا ترى إلى إعلان خلافته وإظهار فضيلته أمام الملائكة هكذا؟ ثم لماذا أمر الملائكة بأن يسجدوا لساكن الأرض الجديد لو كان من أمره أن يحل محل الساكن السابق وليس غير؟

المراد بالخلافة الإلهية:

والأمر الثاني الذي قد ورد ذكره في موضع آخر من القرآن، يوضح مفهوم الخلافة الإلهية بما في الكلمة من معان. يقول جل شأنه:"إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا" (الأحزاب: 72) .

المراد بالأمانة في هذه الآية حرية الاختيار ( Freedom of Choice) والمسؤولية ( Responsibility) ، ومعنى قوله تعالى أن السماوات والأرض والجبال ما استطاعت أن تحمل هذه الأمانة، أنه لم يكن قبل الإنسان مخلوق آخر يستطيع حملها، فلما جاء الإنسان حملها. وفي هذا البيان عدة نكات:

1 -"أنه ما كان في السماوات والأرض قبل الإنسان مخلوق حامل لهذه الأمانة وأن الإنسان هو المخلوق الأول الذي حمل هذه الأمانة، فما هو بقائم مكان مخلوق آخر ( Successor) في منصب الأمانة."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت