الصفحة 98 من 155

من اللازم، قبل كل شيء، أن تعرفوا الطريق السليم لتأويل القرآن وتفسير آياته. وهو أن تتفكروا في كلمات وصيغ الآية التي تريدون أن تعرفوا معناها، من حيث اللغة أولًا، ثم تضعوها في سياقها ( Context) ، ثم تراجعوا ما ورد في مختلف مواضع القرآن من الآيات المتعلقة بنفس مضمونها، وتروا أي تفسير من تفاسيرها المتعددة المحتملة ينسجم مع هذه الآيات، وأيها مخالف لما ورد فيها من المضمون (وبديهي أن قولًا لأحد إذا كان يحتمل تفسيرين أو أكثر، فما العبرة إلا بتفسير هو على انسجام مع ما له من التصريحات الأخرى عن مضمون قوله) فإذا بذلتم محاولتكم لمعرفة معنى القرآن بالقرآن إلى هذا الحد فانظروا: أي معنى يتقرر للآية قيد الدراسة على ضوء أقوال وأفعال من جاء بالقرآن (أي محمد صلى الله عليه وسلم) وبأي وجه فسرها أولئك الذين كانوا من أتباعه في أقرب عصر لحياته؟

معنى آية"لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ":

وإني بعد هذا الإيضاح المبدئي أتناول بالبحث الآية التي قد مثلتم بها في سؤالكم، وهي قوله تعالى:"لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ". يجوز أن يكون لكلمة"في الدين"من جهة اللغة معنيان: أولهما"في قبول الدين أو اتباعه"وثانيهما"في نظام الدين". فأي هذين التفسيرين أحق أن يؤثر على الآخر؟ من المحال أن تقضوا في ذلك بمجرد اعتمادكم على كلمات هذه الآية، ولا بد لكم لذلك من الرجوع إلى سياق هذه الآية:

فالسياق الذي قد وردت فيه هذه الآية هو: أن عُرض أولًا تصور واضح لوحدانية الله تعالى وصفاته، وهو مختلف عن تصور الإله عند كل جماعة دينية وحدت في الأرض في تلك الأزمان. وهو العقيدة الأساسية عند الدين الذي يدعو إليه القرآن، ثم قيل"لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ..."فالفقرة التي بالخط الأسود في هذا الإطار واضحة في الدلالة على أنه لن يكره أحد من الناس على قبول العقيدة المذكورة أعلاه عن الله عز وجل، فقد عرضت العقيدة الصحيحة مميزة عن العقائد الباطلة، فكل من يتخلى الآن عن العقائد الباطلة ويؤمن بالله على الوجه المبين، فإنه لن ينفع إلا نفسه، وكل من يأب، فإنه لن يضر إلا نفسه.

وانظروا بعد ذلك نظرة شاملة في القرآن كله، تجدوا أن القرآن قد قرر لمختلف الجرائم عقوبات مختلفة، وأمر بإزالة كثير من المنكرات الخلقية، وحرّم كثيرًا من الأمور وفرض كثيرًا منها، وأمر المسلمين بأن يطيعوا الرسول وأولي الأمر منهم. وبديهي أن لا بد -لوضع كل هذه الأحكام موضع التطبيق والتنفيذ- من قوة قاهرة ( Coevcive Powen) سواء أكانت هي قوة الدولة أم قوة الضغط المعنوي من المجتمع. وواضح من هذا أن القرآن بقوله"لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ"لا يقصد أبدًا أن نظام الحياة الإسلامي لا مجال فيه لاستعمال القوة القاهرة أصلًا، وإنما الذي يقصده هو أن لا إكراه في قبول الدين الإسلامي، فمن شاء فليقبله عن طواعية نفسه وحرية رأيه، ومن أبى فإن أحدًا لن يكرهه على الإيمان به قسرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت