الصفحة 122 من 183

ومع هذا كله فهو يؤدى هذه الشهادة عن هذه الحضارة في كتابه (( مباهج الفلسفة ) ):

(( وثقافتنا اليوم سطحية، ومعرفتنا خطرة، لأننا أغنياء في الآلات فقراء في الأغراض. وقد ذهب اتزان العقل الذى نشأ ذات يوم من حرارة الإيمان الدينى، وانتزع العلم منا الأسس المتعالية لأخلاقياتنا، ويبدو العالم كله مستغرقًا في فردية مضطربة تعكس تجزؤ خلقنا المضطرب. إننا نواجه مرة أخرى تلك المشكلة التى أقلقت بال سقراط، تعنى: كيف نهتدى إلى أخلاق طبيعية تحل محل الزواجر العلوية التى بطل أثرها في سلوك الناس؟ إننا نبدد تراثنا الاجتماعى بهذا الفساد الماجن من جهة. وبهذا الجنون الثورى من جهة أخرى، حين نفقد الفلسفة التى بدونها نفقد هذه النظرة الكلية التى توحد الأغراض، وترتب سلم الرغبات. إننا نهجر في لحظة مثاليتنا السلمية ونلقى بأنفسها في هذا الانتحار الجماعى للحرب. وعندنا مائة ألف سياسى، وليس عندنا (( رجل حكم ) )واحد. إننا نطوف حول الأرض بسرعة لم يسبق لها مثيل0 ولكننا لا نعرف إلى أين نذهب، ولم نفكر في ذلك، أو هل نجد هناك السعادة الشافية لأنفسنا المضطربة. إننا نهلك أنفسنا بمعرفتنا التى أكسرتنا بخمر القوة. ولن ننجو منها بغير الحكمة (1) 00

(1) يلاحظ هنا اعترافه بأن حرارة الإيمان الدينى قد أوجدت (( اتزان العقل ) )وأن هذا الاضطراب كله الذى يصفه إنما نشأ من تنحية الزواجر العلوية.. ومع هذا فهو يهاجم الدين جملة والإسلام بصفة خاصة في ثنايا كتابه ‍وبماذا يريد أن يستبدل الدين؟ وبالفلسفة أو كمنا يسميها الحكمة‍وألرض لم تخل من الفلسفة في أى عصر، ولكنها لم تقم أبدًا مقام الإيمان الدينى في قيادة المجتمع إلى التوازن، وإلى التسامى الخلقى. كذلك يلاحظ تشبيهه المغرض للدين الذى شرودوا عنه بالوثنية التى كانت قبل سقراط، والتى انهارت فأنشأ لعصر سقراط تلك المشلة التى يتحدث عنها. فالتسوية بين الديانات السماوية والثونية الإغريقية لا تعبر إلا عن الهوى0

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت