فهرس الكتاب
…إن الإبداع المادى في هذه الأرض على يد الإنسان.. فوق أنه ضرورة لحياته ولنمو هذه الحياة ورقيها.. هو في الوقت ذاته وظيفة أساسية له، يحقق لها وجوده، وينمى فيها ذاتيته، ويدرب فيها استعداداته الكامنة، التى أودعها الله كينونته الفردية المعقدة المركبة.. فهو وحده من بين سائر الأحياء الذى يؤدى هذه الوظيفة عن وعى وقصد وإرادة.. ثم هو - بعد هذا وذاك واجب يحقق به غاية وجوده الكبرى: وهى الخلافة عن ا لله في الأرض: (( إنى جاعل في الأرض خليفة ) ).. ويحقق بها العبادة لله عن طريق هذه الخلافة، والعمل فيها باسم الله، ابتغاء رضوان الله: (( ومنا خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) ) (1) 0
…ولكن هذا الإبداع المادى - بكل مدلولاته - من فلاحة الأرض، إلى استخراج كنوزها واستخدام طاقاتها، إلى انتاج المواد الاستهلاكية للاستمتاع بطيبات الحياة، إلى ريادة الفضاء الكوني وما قد تتيسر ريادته من الكواكب. هذا الإبداع بكل مدلولاته يجب أن يكون في خدمة (( الإنسان ) )، فهكذا أراد له خالقه، وهو يعلن أنه سخر له ما في السماوات وما في الأرض جميعًا منه 00 وأن يكون ملحوظًا في هذا الإبداع وفى بناء الحضارة التى تقوم عليه، تنمية خصائص (( الإنسان ) ): خصائصه كجنس يفترق عن المادة ويفترق عن الحيوان، وخصائص أفراده الذين يؤلف كل واحد منهم عالمًا خاصًا - كما أسلفنا - بفرديته البيولوجية والنفسية والقعلية .. وألا يكون في طرائق الإبداع المادى ولا في بناء الحضارة التى تقوم عليه، ما يناقض هذه الخصائص أو يدفنها، أو يعوق نموها، أو يحطمها، ولا أن يهينها كذلك ويحقرها، ولا أن يجعل دور الإنسان في هذه الأرض دورًا ثانويًا أو تابعًا للإبداع المادى، بأى حال من الأحوال0
(1) يراجع تفسير سورة الذاريات في كتاب (( في ظلال القرآن ) )0