فلا مانع أن يلتقي الح نان مع القوة، الحنان موجود ولكن القوة لا بد لها مع الحنان، والعزة يجب أن تكون مرادفة للتواضع، والإستعلاء الإيماني يجب أن يكون محكما بالتقى وموشجا وموثقا بالورع خلال المسيرة فوق هذه الحياة...
(وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وامر قومك يأخذوا بأحسنها سأوريكم دار الفاسقين)
(الأعراف: 541)
والقوة تبدأ من الإلتزام الداخلي; بأن يحمل نفسه على المر ويتقلب على اللظى ويسير على الشوك ويستهين بالمصاعب وتتصاغر أمامه كل عقبة كؤود، حتى يصل إلى المأرب الذي خططه له رب العالمين ونص عليه سيد المرسلين ص، تبدأ بسهر الليالي (ومن يخطب الحسناء لا يغله المهر) (ومن طلب العلى سهر الليالي) تبدأ بالصبر على النفس.
وخالف النفس والشيطان واعصهما وإن هما مح ضاك النصح فاتهم تبدأ من السهاد على تربية هذه النفس تربية ربانية.
(قم الليل الا قليلا نصفه او انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا، إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا) .
(المزمل: 2-5)
وبقدر الحمل الرباني الذي يوضع على العواتق وبقدر ثقل الأمانة التي تسلم للإنسان تكون منزلته عند الرحمن، وإذا أردت أن تعرف منزلتك عند رب العالمين، فانظر إلى الشغل الذي بين يديك منه، والعمل الذي كلفك به، والأمانة التي أناطك بها، وشتان شتان بين جندي للرحمن يعتبر خريدة الزمان وعين الإنسان; قد كلفه رب العالمين بحمل أمانته وتبليغ رسالته وتطبيق شريعته، إذا رؤي ذكر الله وإذا سار عرف القرآن، ولو جسد القرآن إنسانا سويا لما اختلف عن هذا الكمي الذي أخذ نفسه بالآيات وحولها إلى لحم ودم تسير في واقع الحياة.
وإذا انتصرت بالقوة على نفسك وأخذتها بتجرع الغصص وبتذوق المر وبالسير على اللظى تكون قد جاوزت نصف المرحلة أو زيادة.
ثم بعد ذلك وأنت تواجه الناس في واقع الحياة لا بد لك من قوة، قوة الصبر; لأن الناس لا يتقبلون الخير بالسهولة ولا تستسيغه نفوسهم; خاصة إذا فسدت الأذواق ورمدت العيون.
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد وينكر الفم طعم الماء من سقم
عقبات لا بد منها:
وأنت إذ تسير بحق في يمينك وبقوة في شمالك لا بد أن تدرك أن الناس جميعا خاصة الذين هم في الذؤابة من أقوامهم وفي العلية من سلطانهم ممن يحملون الهيل والهيلمان وقد مكن الله لهم من السلطة والسلطان، هؤلاء لن يقروا بحقك إلا إذا خض دت بالعضب القاطع أشواكهم ودمرت بالمثقفة السمر عقباتهم.
لا بد أن تدرك أن الجاهلية لن تتقبل حقك; والجاهلية مدججة بسلاح ومنظمة بتنظيمات ولها قواها وسلطانها ولها جيوشها وأمنها، هذه كلها مسخرة لإسكات كل صوت، ولإطفاء كل نور، ولتعتيم كل نار أو ضوء يشتعل في المنطقة.
لا بد لك وأنت تحمل الحق من قوة، قوة تبدأها بالصراع مع نفسك حتى تذللها، ثم قوة في تبليغ الحق من خلال تنظيم تربية، ومن خلال مجموعة توجهها; والمجموعات التي توجهها والناس الذين يعيشون معك كذلك حولهم من الشياطين من يلبسون ومن الغبار ما تعمى به العيون، وحولهم وبأيديهم من الحول والطول ما به يغرون ضعاف النفوس، ويشككون مرضى القلوب ويلبس ون على السم اعين (وفيكم سم اعون لهم) .
فلا بد لك وأنت تعيش مسيرة وتقود مجموعة أن تتوقع الكثير ممن حولك -أولا - وأعداؤك عداؤهم ظاهر لا لبس فيه ولا غموض ولا مداورة، والرسول ص وهو ينشىء نبتته الأولى في داخل المدينة -نبتة هذا الدين العظيم- ويرويها بالنجيع الكريم، كم تصبب من عرق؟ وكم سال من دماء؟ وكم حرقت من أعصاب؟ وكم طحنت من مشاعر؟ وكم ديست من قلوب مؤمنة من أجل توصيل الحق لأهل الحق؟ أو لأهل الخير الذين يكتب الله لقلوبهم; أن تنكشف لها البصائر، ولأفئدتهم أن تعرف الحق من خلال مقارنة النظائر؟
انظروا رسول الله ص وهو في المدينة كلما حقق خطوة واحدة إلى الأمام نصرا ، كلما ازدادت المعركة عليه من داخل الصف من جموع المرجفين -الطابور الخامس- الذي وظيفته إشاعة النقع في الجو حتى لا يرى الحق، ومهمته أن يلبد السماء بالغبار حتى لا يبين النور، وأن يطفىء كل مصباح حتى يعم الظلام.
في بدر رسول الله ص يحقق أول خطوة من خطوات النصر، ثم يذهب إلى يهود بني قينقاع ويعرض عليهم الإسلام، ثم يحذرهم أن يصيبهم مثل ما أصاب قريش فيقول بنو قينقاع: لا تحسبنا كبني قومك لقيت أناسا لا خبرة لهم بالحرب، لئن لقيتنا لتعلمن ماذا نصنع؟
وأجلى رسول الله ص يهود بني قينقاع، ولا يقف له إلا ذلك الذي يقف في الصف الأول -كل جمعة رأس النفاق زعيم الكفر عبد الله بن أبي في كل جمعة- يقف بين يدي رسول الله ص وينظر إلى قومه; يا معشر الخزرج؟ هذا رسول الله ص بينكم فعزروه وانصروه وأعينوه، يقولها كلمات; لا بد أن تظهر صورته خلال التلفاز ولو دقائق، ولا بد أن يسمع صوته من خلال المذياع ولو ثوان.