فهرس الكتاب
آيات كريمات مبينات تنزلت من لدن عزيز حكيم على قلب النبي الكريم لتكون عبرة للمؤمنين، هذه الايات الكريمات كما يروي أصحاب السير أنها نزلت في الأوس والخزرج، وقد كانوا في الجاهلية ذوي شحناء وبغضاء، ثم جاء رسول الله ص فألف الله على يديه بين قلوبهم.
ومر اليهود ذات يوم عليهم وهم يتحدثون فغاظهم هذا، فبدأ أحد اليهود -فيما ترويه بعض الروايات اسمه شاس بن قيس- يتكلم وينشد أشعار بعاث؛ وبعاث يوم كان بين الأوس والخزرج فسالت فيه الدماء، وتناثرت فيه الجثث، فأثرت الأشعار في أنفسهم، وما انتهى هذا اليهودي من ذكر الأشعار حتى قاموا على بعضهم بالنعال والجريد، فعلم رسول الله ص بهذا وأقبل عليهم وقال: ؛أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم« (1) [أنظر تفسير ابن كثير صفحة (582) المجلد الأول آية (103) ] . ثم أنزل الله هذه الايات (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا ) .
كان الموقف جد طبيعي من اليهود، وهم الذين كانوا يحكمون المدينة بتجارتهم، ويسيطرون عليها بتوجيههم السياسي الذي يخضع لضغط رأس المال، واذا برسول الله ص ينتزع القيادة السياسية والمالية والدينية من أيديهم ويجمعها رب العالمين بين يديه.
لا يمكن لأناس يملكون الهيل والهيلمان والمال والسلطان أن يسكتوا إزاء هذا، وأنت تريد أن تجتذب من تحت أرجلهم البساط، فكل تجمع يقف في وجه السلطان في أي جهة في الارض، لا بد أن تنهال عليه الضربات واللكمات، وتوجه إليه الاتهامات والضربات الساحقة الوحشية، حتى يباد هذا التجمع الذي يشكل خطرا على هذا الوجود القائم.
صراع الحق مع الباطل:
والحق والباطل يصطرعان أبدا ، ولا يمكن للمعركة أن تهدأ لحظة واحدة، وهذا قانون من قوانين الله في الحياة، أن الباطل والحق يصطرعان منذ أن غادرت رجلا الانسان الجنة حتى يرث الله الأرض ومن عليها..
(اهبطوا بعضكم لبعض عدو، ولكم في الارض مستقرومتاع إلى حين) .
(الاعراف: 42)
وهذه سنة من سنن الله وقانون من قوانينه؛ أن الشر والخير يصطرعان، والنهاية بفلاح المؤمنين؟ (والعاقبة للمتقين ولاعدوان إلا على الظالمين) .
هذا قانون لا يتخلف أبدا ؛ أن الذي يجب أن تدركه أية مجموعة إسلامية تحاول أن تعيد دين الله في الأرض مرة أخرى؛ أن هذا القانون لا يتخلف أبدا .
ولذا عندما قيل للشافعي: أيهما أولى للمرء أيمك ن له أم يبتلى. قال: لن يمك ن له حتى يبتلى، ورحم الله البنا إذ يستقبل في إحدى القرى المصرية إستقبالا حافلا ، يخرج إليه الشاب والشائب والشيخ والطفل، قال مرافقه: فتفقدنا الإمام بعد أن دخلنا دار الإخوان فوجدناه خلف أحد الأبواب يبكي، قلنا له: هذا يوم أعز الله به الاسلام، ينبغي لنا أن نعبر عن فرحتنا بابتسامتنا، قال: لم يكن الرسل يستقبلون هذا الاستقبال، لقد كان الرسل يستقبلون بالصد والإنكار والايذاء، وأخشى أن لا نكون على الطريق.
قانون واضح في قلب الشيخ وذهنه؛ أن الصراع لا بد أن يكون بين الحق والباطل، فكيف نستقبل هذا الاستقبال؟! كان يتوقع هذا، كان يتوقع أن القانون سيأتي في يوم من الأيام مهما طال الزمن، ولذلك يكتب قبل ضرب الحركة الاسلامية في مصر ببضعة عشر عاما .
أيها الإخوان: إن دعوتكم لا زالت غير معروفة عند كثير من الناس، ويوم أن تعرف ستطاردون وتحاربون وتفتح لكم أبواب السجون، وستقف الدنيا كلها في وجوهكم، وسيقف في وجهكم -أول ما يقف- العلماء الرسميون بالفتاوى.
ومرت على هذه بضعة عشر عاما -كتب هذا سنة (1936م) - ولم تكن الضربة التي عرفها القاصي والداني، والقريب والبعيد والمراقب والغافل، لم تكن إلا بعد عقد ونيف من هذا الكلام الذي كتبه في الثلاثينات.
قانون لا يمكن أن يتخلف أبدا ، وأول ما يمكن أن تضرب به الجاهلية ضربتها؛ أن تقف متفرجة إذ تشعل النار بين التيارات الاسلامية الموجودة في الساحة، وهذا أسهل طريق على أجهزة المراقبة وأضواء الرصد وأوفرها جميعا ، أن تقوم المعركة بين الناس المتحمسين للعمل الإسلامي في الساحة، وهم يوفرون عليهم جهودهم، ويحفظون ماء وجوههم، أمام الذين يدينون بالشعور العاطفي الغامض لهذا الدين، أمام المتمسلمين من ذراري المسلمين الذين يزعجهم أن تنصب المشانق وتعلق جثث العلماء على الاعواد.
تمزيق الخلافة:
لقد دخل الغرب معركة سافرة مع الاسلام على يد مصطفى كمال أتاتورك، ورفع مصطفى كمال أتاتورك عقيرته عاليا ؛ يوم أن أعلن إسقاط الخلافة، وإخراج الخليفة وحاشيته من داخل إسطنبول ومن تركيا، ومحاربة الشعائر الاسلامية، ومنع الأذان باللغة العربية، وتحويل الأحرف العربية إلى الأحرف اللاتينية، وتمزيق الثياب الشرعية في الشوارع العامة، ومنع الخمار عن شعورهن، ولا يسمح في أية مؤسسة رسمية أن تدخلها امرأة إلا كاشفة الرأس، وكان رجال الأمن يتابعون النساء في الشوارع يمزقون ثيابهن ويرفعون أغطيتهن عن شعورهن.