فهرس الكتاب
دعا الله مخلص ا له الدين، وسقطت الطائرة واحترق كل من فيها ونجا مندريس بأعجوبة خارقة، ودخل مندريس الإنتخابات، وكان برنامجه الانتخابي يتلخص بنقاط بسيطة، لو نظر إليه الناظر في بلادنا العربية لانقلب على ظهره ضحكا وهزؤا وسخريا.
كان برنامج مندريس: أن يعيد الأذان باللغة العربية، وأن يعيد فتح بعض كتاتيب القرآن، وأن يعيد مسجد آيا صوفيا مسجدا ؛ من متحف إلى مسجد، ودخل الإنتخابات، وهزم حزب أتاتورك هزيمة ساحقة، ونال الأغلبية البرلمانية مندريس وشكل الوزارة، وأصبح رئيسا للوزراء، وآن له أن يفي للشعب التركي بما وعده.
وفي أول رمضان يهدي مندريس الآذان للشعب التركي باللغة العربية، ويخرج الناس يبكون في الأسواق، ما رأوا يوما بعد فتح القسطنطينية أشد فرحا ولا أكثر غبطة على قلوبهم من هذا اليوم، الله أكبر، الله أكبر، تنطلق من فوق ألف منارة في إسطنبول، معطل فوقها الآذان ستة وعشرون عاما ونيف، وسمعوا صوت الله أكبر، وإذا بالأصابع الغربية تتحرك بعد أن بدأ يفي لهذا الشعب بما وعده، وضغطت الأزرار في واشنطن، وتحركت المحافل الماسونية، وعملوا إنقلابا على مندريس وأعدم بتهمة الخيانة العظمى ومخالفة الدستور.
لقد كانت التجربة التركية تجربة فريدة وناجحة، ولكن أوروبا والغرب والأمريكان -بالذات- أخذوا منها درسا في الأسلوب الذي يمكن أن يحطم به هذا الدين بطرق أسهل وبتكاليف أوفر، لا يجوز بعد اليوم أن يعلن الحرب صريحة شعواء على الإسلام، لا بد أن يحطم هذا الدين أناس من أبنائه، ممن يتكلمون العربية، وممن يصلون لرب العالمين ظاهرا ، وممن نتفق معهم على إجتثاث هذا الدين من جذوره.
خطة جديدة لحرب الإسلام:
وجاءت الخطة الغربية الجديدة؛ أن الحرب على الإسلام يجب أن تكون تحت السطح، ولا يجوز أن نعلن الحرب على هذا الدين، اسمحوا للمسلمين أن يبنوا مساجد ا وأن يرفعوا المنائر، واسمحوا للحكام أن يقصوا أشرطة هذه المساجد، وأن يفتحوا المبر ات، وأن يبنوا المؤسسات الخيرية، ولكن يوكل إليهم أن يسحقوا كل تجمع إسلامي في الساحة، وأن يكال لطلائعها الضربات الوحشية التي لا ترحم ولا تكل ولا تمل، فجاءت الانقلابات العسكرية في البلاد العربية بناء على هذه الخطة، إضربوا الاسلام تحت السطح، وأظهروا الشعائر والمنابر، لا تتعرضوا لهذا الدين، ولا تحاربوه في جرائدكم ولا مجلاتكم، لكن فر غوا هذا الدين من محتواه، وحطموا الرجالات الذين يتصدرون لقيادة الناس لاعادتهم مرة أخرى لهذا الدين، وفي فيء المجتمع الاسلامي؛ أشعل-وا الح-رب بين الحركات الاسلامية.
ولذا كانت أول محاولة لهم هي محاولة السفير الأمريكي أن يظهر الحصان الرابح في الرهان في المنطقة العربية، فظهر حسني الزعيم في انقلاب آذار سنة (1949م) .
انظروا الأحداث: قتل حسن البنا في (12) شباط سنة (1949م) ، عقدت مصر وسوريا والأردن بعد يومين معاهدة (رودس) مع إسرائيل، وأقرت لهم بحدود ثابتة ودولة ذات كيان، في الشهر الذي يليه قام الإنقلاب الأمريكي وجاء بحصان حسني الزعيم، ووجدوا أن حسني الزعيم لم يكن ذلك الجواد الذي يراهن عليه في هذا الميدان الذي يعج بالجياد.
الجماهير تصفق لمن يذبحها:
لا بد من الإنتقال إلى مركز الثقل في العالم الاسلامي، إلى العاصمة الثقافية والعلمية إلى القاهرة، حيث المركز السكاني، والثقل السكاني وحيث الحركة الاسلامية التي ضربناها قبل سنتين فلم نستطع إبادتها، ولا بد من إبادتها على يد بطل شعبي في داخل البلد، وجاء الإنقلاب إنقلاب جيفرسن كافري الذي أظهر حصانا جديدا وجوادا رابحا -كما يقول مايلز كوبلند في كتابه لعبة الأمم- لقد أخذ عبد الناصر في لعبتنا أكثر من تسعين في المائة، وهو أكثر جواد ربحنا فيه في الميدان: أن يضرب الحركة الإسلامية، وأن لا يحكم بالكتاب والسنة في أمور الدولة، وأن يفر غ الأزهر من محتواه، وأن يحفظ سلامة إسرائيل، وأن لا يمس حدودها.
وجاء الحصان الرابح وجرت الأمور كما يريد الغرب، ودفع أيزن هاور (3) مليون دولار لوزير داخلية عبد الناصر حتى يوزعها على رجال الثورة ويكسبهم لجانبه، وأقصي محمد نجيب وأعتلى عبد الناصر عرش مصر وبقي (16) عاما يجتث الاسلام من جذوره، ويطارد أبناءه في كل مكان، والأصابع تشير إليه بالبنان، والحناجر تبح إليه بالهتاف في كل مكان، عبد الناصر بطل القومية، بطل العروبة، بطل الاشتراكية، والجماهير تصفق لمن يذبحها!!
إيه يا قطعاننا لا تسألي كل من في شرقنا يدري عيوبه
أدركوها لا تلومي أحد ا أخطأ الراعي فقدست ذنوبه
كان هنالك برلمان، وهم كما يقول عنهم هاشم الرفاعي عن مجلس النواب:
ها هم كما تهوى فحركهم دمي لا يفتحون بغير ما تهوى فما
إنا لنعلم أنهم قد جمعوا ليصفقوا إن شئت أن تتكلما
قد كان ظلم الناس قبلك مهملا والآن صار على يديك منظما
خداع العلماء: