فهرس الكتاب
صحفي فرنسي يقول:
على حدود أفغانستان التقيت بصحفي فرنسي جاء ينقل أخبار المعركة، قلت له: أنت تؤمن بالله عزوجل، قال: كنت أسمع هنالك إله، لكن الشعب الأفغاني أجبرني على الإيمان بالله، قلت: كيف...؟ قال: عندما أرى البنادق البسيطة تهزم الدبابات والأساطيل، معنى ذلك: هنالك قوة أخرى في المعركة لا نراها هي قوة الله.. الفرنسي يقول لي هذا، قلت له: كم مكثت في أفغانستان، قال لي: أربعة أشهر... كيف استطعت أن تعيش كما يعيش المجاهدون؟: قال هذه سهلة الصبح خبز وشاي، والظهر وجبة ثانية؛ شاي وخبز!!.
لكن لا تظنوا أن الأمر بهذه السهولة.. الشعب الافغاني سحق سحقا .. وتمزق تمزيقا .
مآسي الشعب الأفغاني:
الآن كل بيت في أفغانستان تحول إلى مأتم وميتم، كل واحد ينظر حوله.. أين أبي؟ قتل أيام تراقي، أين أخي الكبير؟ قتل أيام حفيظ الله أمين.. أين أختي؟ أين أمي؟ دفنت تحت الركام، واحد اسمه مسترى سائق عندنا، قالوا: يا شيخ عبد الله، تعرف قصة هذا؟ قلت له: حدث، قال عائلتنا مجتمعة إثنا عشر شخصا ، خرجت إلى السوق ورجعت ، فأغارت الطائرات بعد خروجي، رجعت وإذا بدارنا قد دمرت على من فيها، فصرت أجمع قطع اللحم من التراب فجمعت عشر كيلو جرام لحم من اثنى عشر شخصا .
كم من الناس...؟ طفل في بيت حكمتيار يتيم، قلت له: من هذا؟.. قال: هذا ما وجدنا له أحدا فجئت به أربيه في بيتي، ماله أقارب، ما عرفنا له أقارب،
يدخل الروس -الحضارة الروسية- يدخلون إلى القرية، يهزمون في الميدان، فماذا يصنعون في النساء والأطفال المجتمعين في المسجد؟... تدمره الطائرات تدميرا .
أحد الشباب العرب في بغمان قال خضنا معركة، ذهبنا إلى المسجد وإذا به مسلخ.. قطع من البلوبيف معجونة مع بعضها البعض ولم يبق في المسجد حي إلا طفلة قد فلق رأس أمها وانتثر دماغ أمها على حجرها، وقد جن ت للمناظر التي رأتها..
في شمال أفغانستان:
كنت في شمال أفغانستان، على الطريق جبل ارتفاعه (4000م) لا بد أن نقطعه، الثلوج تجمدت، وكلما وضعت قدمك تنزلق، ولا بد أن تصعده، وزاويته لا تقل عن (75) درجة هكذا واقف.. وكنت أمشي على أربع، والافغان يحملون ذخائرهم وطعامهم على حمير وبغال، وفي الصعود يدفعون حميرهم وبغالهم، لأن الحمار لا يقدر.. محمل وقد أنهكه التعب.. فيدفعه هو، وأنا لا أستطيع أن أحمل جاكيت بدون كم (صدرية) خلعتها ووضعتها على الحصان بجاني، وكان بجانبي رجل أفغاني أج رني الحصان، وقبل أن نصل إلى نهاية الجبل جاء الأفغاني وأشار وقال لي: شيخ قلت: نعم قال: مات الحصان!!.
طيلة الطريق الخيول الميته والحمير وما إلى ذلك، وأنت تمشي على أربع وتتمنى أن تجد شيئا من الطين حتى تتشبث به أو حمارا ميتا تتكئ عليه، أو أى شيء، من صلاة الفجر حتى آذان المغرب حتى استطعنا أن نصل إلى آخر الجبل، من القمة، قبل القمة بقليل الخيول نازلة والحمير وأي بغل سينزلق سيأخذك معه إلى الهاوية، لا يستطيع أحد أن يمسك بك أو يمسك بالبغل..
ورأيت رجلا وقد انزلق حماره وهو يدخل معه وهو يريد أن يمنعه أن ينزلق بأي طريقة، ثم أعياه اليأس وترك حماره وما عليه يسير إلى الهاوية ويتلقى مصيره.. أو تصدقون أن البغال تنتحر؟! من شدة الإعياء يقف على حافة الجبل ويرمى بنفسه من التعب... تنتحر!!
أما علمتم أن البقر والغنم والكلاب والخيول إذا بدأت الغارات تؤوي إلى جذوع الشجر تبكي؟! الحيوانات!! الثور من شدة القصف ولشدة القذائف، القذيفة طن كامل، أرى الماء يخرج من الأرض بعد القذيفة.. تخرج النبع.. من شدة الخوف يتمزق قلب الثور، فتشه صاحبه فقط لا يوجد شيء إلا أن قلبه قد تمزق، أهوال لا يعلمها إلا من عاشها. تصوروا معي سبع جبال مثل هذا الجبل يجب أن تبقى معلقا أربعة عشر يوما بين السماء والأرض!!
وشاب عربي يدركه الإعياء وزنه حوالي (90-100) كغم، قال: دعوني أموت هنا، وترك الشاب العربي، ينتظر الموت بين الثلوج، ومن الليل وهو نائم على كيس النوم يسمع هاتفا من السماء إن الله معك... وبعد ثلاثة أيام وهو على هذا الحال من الجوع والبرد وما إلى ذلك.. مرت قافلة وحملته، ولكن رجله كانت قد تجمدت فقطعت أصابعه في المستشفى، كم من الناس وجدوا جامدين ميتين، جامدين بردا ؟! كم من الناس ماتوا تحت الثلوج ولم يعرف أنهم ماتوا إلا بعد ستة أشهر بعد أن ذاب الثلج وبانت جثثهم.
امرأة مهاجرة بطفلها أعياها السير في قمة الجبل فتركت ابنها لمصيره يموت؛ لأنها إما أن تموت معه، وإما أن تنجو بنفسها، وبعد ثمانية أيام جاءت للمجاهدين وقالت: لقد تركت إبني هناك في قمة الجبل تحت الثلوج، فلعلكم تبحثون عنه وتأتون به حتى ندفنه، فذهب المجاهدون حيث دل تهم أمه، ورفعوا الثلج فوجدوه بعد ثمانية أيام لا زال حيا !!!
الحقيقة: قصة أفغانستان يعني: مرثاة حزينة أليمة وفي نفس الوقت ملحمة العز والفخار لمن أراد أن يتحرر من قيد الاسار، لكن: