فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 70

؛إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله مالايرجون.. «

(النساء: 140)

أحمد شاه مسعود: تقريبا ألمع قائد في داخل افغانستان، على الإطلاق، حدثني قال: جاء الروس واحتلوا (رخا) واحتلو (عنابة) ، أكبر مدينتين في بنجشير.. احتلوا مدينة ووضعوا فيها نصف فرقة، ووضعوا مراكز على الجبال المنخفضة.. ومراكز على الجبال العالية، والمدينة قد رابطوا بها بدباباتهم ومدافعهم، فكيف نجاهد؟ ! والثلوج تغطي المنطقة؛ الجبال، قال: فجاء المجاهدون وتسللوا من بين مراكز الروس التي على الجبال، وأقاموا مراكزهم على الجبال المتوسطة الإرتفاع، من فوقهم روس، ومن تحتهم روس وفي المدينة روس...

وعدى الروس فوق ظهرك روس فعلى أي جنبيك تميل

إلا الثلوج!! بحثوا عن حجارة تحت الثلوج ووضعوها أمامهم، وجعلوها أمامهم وجلسوا، لكن من أين يأكلون؟! كيف يأكلون؟! إن إيصال أي شئ من الطعام؛ أولا: يعتبر عملية خطيرة جدا ، ثانيا: من أين لهم الطعام؟! الأسبوع الأول عاشوا على التوت والبطاطا؛ كل وجبة حبة بطاطا لثلاثة أشهر وهم تحت الثلوج!! ثم وجدوا أنهم لا بد من اقتحام الفرقة نفسها، والفرقة محاطة بالألغام، ودونها نهر بنجشير... والثلوج، ونزلوا ذات ليلة واخترقوا النهر، ودخلوا عبر حقل الالغام، ووصلوا إلى الخيمة التي فيها القائد الروسي، والجنود أطلقوا رشاشاتهم وقتلوا من قتلوا؛ خرجوا ولم نفقد إلا شهيدا واحدا .

لقد ذهل الروا.. كان المجاهدون يطلقون كل ساعة طلقة دوشكا، لا يتحرك أحد في داخل الفرقة إلا وتأتية طلقة دوشكا، من أين تأتي هذه؟! شلوا حركة الفرقة بكاملها، لا يتحرك متحرك إلا وتأتيه طلقة الدوشكا، إما برأسه وإما بين قدميه، فصاروا لا يستطيعون التحرك بالنهار وصاروا يتحركون بالليل، وإذا بجند الله يقتحمون عليهم مهاجعهم بالليل، فهنا شلت حركة الروس، فإذا بهم يأتون إليه.. نريد أن نعقد معك هدنه لمدة ستة أشهر.. قال جمعت العلماء، قلت لهم: الروس يعرضون علي أن نعقد هدنة لمدة ستة أشهر ما رأيكم؟ قالوا: هذا نصر لا بأس.. جائز شرعا .. فقال الروس تعال إلينا، قلت: لا، أنتم تأتون إلينا، قالوا: نلتقي في وسط الطريق، قلت: لا... أنتم تأتون إلينا، قالوا: تضع رهائن عندنا ونضع رهائن عندك.. قال: لا... تأتون إلي .

وجاء الروس رغم أنوفهم عنده، قال: جاءوا في الليلة الأولى تكلمنا وفي الثانية تكلمنا، وفي الثالثة انطلق القائد الروسي على غاربه يعبر وينفس عن الآلام الحبيسة في صدره، قال لي: أنت لا تدري الضيق الذي نعيش فيه، لقد ألقانا برجنيف الأحمق في هذه المحرقة وتركنا نشعر أننا مقيدون.. نريد أن نفك القيود التي في أرجلنا.

قال أحمد شاه: فهممت في الليلة التي بعدها أن أسجل ما يقول، ولكني رأيتها خسة تترفع عنها أمانة المجالس.. قال بعد ستة أشهر مات أندروبوف، وجاء تشرنينكو، وأرسل لجنة جديدة لتجدد شروط العقد.

أنتم ألا تنظرون؟! ثلاثة من رؤساء الإتحاد السوفياتي يموتون خلال أربع سنوات، متى حصلت هذه؟! إلا بدعوات المظلومين من أبناء أفغانستان، التي تتعلق بالعرش، ويرد الرحمن عليها: ؛وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين«. (2) [حديث صحيح رواه أحمد وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان والترمذي وحسنه، أنظر الترغيب والترهيب 3/187)] .

قال: جاءت لجنة جديدة، ووضعت شروطا جديدة قاسية، وقالت أنت خدعت اللجنة السابقة، وهذه شروطنا، وغدا نلتقي حتى نبحثها، قال: أخذت ورقتهم ووضعت عليها بالخط الأحمر إكس (X) ثم قلت لهم: أنا لا أستطيع مقابلتكم قبل إسبوعين، وأعطيت الأوامر للفلاحين أن يحصدوا زروعهم، وقلت لهم: أنا قادم على معركة، وبعد أسبوعين حملت الكلاكوف -الذي غنمه من الروس- ولبست اللباس العسكري وذهبت لهم، وكتبت شروطا أقسى بكثير من الشروط السابقة التي ألغوها، وناولتهم ورقتهم وورقتي الجديدة، وإذا بهم تحم ر وجوههم وتصفر وتزبد وتخضر، وبدأوا يتغيرون، قالوا: هل تسمح لنا أن نخرج ندخن سيجارة، قال لهم: أخرجوا نفخوا (كالحية الصارطة) [# الصارطة بالعامية: تعني التي ابتلعت حيوانا فانتفخ بطنها فهي تنفخ لتنفس عن ضيق بطنها] . ينفخون، خرجوا خمس دقائق أو عشر دقائق تكلموا ثم عادوا، وبدأوا يرجونني أن أخفف عنهم بعض الشروط، قلت: لا يمكن، أحدهم -جنرال أو ضابط كبير روسي- مسك ورقتي وورقتهم فنظر إلى ورقتي، ما كادت يده تستطيع أن تحملها، فألقاها هكذا أمامي -دون احترام- فمسكتها وجمعتها ورميتها في وجهه وقلت: أخرج أنت أسأت الأدب في هذه الجلسة، وبدأ الضباط الروس يرجونني أن أبقيه، قلت: لا يمكن أن أتكلم كلمة واحدة ما دام هذا موجودا في المجلس.. يا سلام.. من هؤلاء الضباط؟! هؤلاء الضباط الذين يخططون ضد حلف الأطلسي، يخططون ضد أمريكا، يخططون ضد العالم.. يرجونه أن يبقيه.. قال: لا يمكن أن يبقى، لن أتكلم كلمة حتى يخرج، وطرد الضابط الروسي من الجلسة وبدأ الكلام ورجوه أن يحذف شيئا ، يا أحمد شاه نحن نعاملك كدولة، يا أحمد شاه نحن أظهرناك، قال له: أنت أظهرتني؟! ألم تقل لي: أن برجنيف ألقانا في المحرقة وتركنا؟ ألم تقل لي أننا نشعر أننا مقيدون بأرجلنا، ونريد أن نخلص من هذا القيد؟ أنتم جئتم إلي أنا ما جئت إليكم.

وأخيرا وقعوا على الشروط القاسية وخرجوا، وفي اليوم التالي أرسلوا ورقة: نحن وقعنا تحت رهبة السلاح، ونحن لا نوافق على هذه الشروط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت