في رثاء الشيخ سعيد حوى رحمه الله
*- ملاحظة: نشرت في مجلة الجهاد في العدد (35) في شعبان (9041هـ) مارس -إبريل- (9891م) صف (14) ، ونشرت في لهيب المعركة في العدد (34) (11) شعبان (9041هـ) (81) مارس (9891م) .
سلام الله على روحك الطاهرة، وهكذا سرت على نفس الطريق الذي شقه أمامك مروان حديد، ضمتكما بلدة أبي الفداء، وفي مرابعها طاب الفداء، تلفتما حولكما فلم تجدا إلا القليل فحملتما الأمانة إذ ناءت بحملها غلب الرجال وأفذاذ القلل (القمم) لقد حم لت جسدك فوق ما يطيق ولكن:
وإذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام
قلب كبير يحمل آمال أمة، ونفس عظيمة تصدت لحمل آلام جيل:
وأورد نفسي والمهند في يدي موارد لا يصرن من لا يجالد
ولكن إذا لم يحمل القلب كفه على حالة لم يحمل الكف ساعد
في دمشق أيام الدراسة في كلية الشريعة لأول مرة اكتحلت عيناي بمراك وقد حف ت بك جمع الشباب المقبل على الله وأنت تشرح لهم النعم العظمى التي ستعم البشر فيما لو طبق نظام الإسلام، ثم مضت السنون واخترت طيبة المنورة منزلا ومررت بك في بيتك أثناء حجتي سنة (1931هـ) وقد كان بيتك مستراح الظامئين ومهوى أفئدة السالكين حبا بالتلقي على يديك، وطمعا في التلمذة بين يديك، ولكن أسد الشرى لا تطيق بعدا عن خيفتها، ولا تستطيع فراقا لعرينها، كيف لا، وقد برح بك الشوق إلى ليث حماة الشام -مروان- فما رضيت روحك أن تبقى في حرقتها بعيدا عن غمار المعركة، ومحنة الحركة، فما كان منك إلا أن طلق ت الإخلاد إلى الراحة، وحط مت أغلال النعيم الجسدي، وقيود الإسار الروحي، وعدت هناك حيث يجثم الطاغوت بكلكله على الصدور، ويصو ب نباله وذبله نحو النحور، وبدأت تدفع بكل طاقتك عجلة الدعوة لتمضي بها قدما في طريق الإباء، ولتنتشلها من وهدة الركود التي تعصف بكيان الدعوات وتحطم بنيان الحركات.
أبا محمد: ماذا نقول فيك؟ إذ حيثما فقدنا الرجال في ميدان وجدناك، طرقنا باب الدعوة فألفيناك قلعة من قلاعها، وتلمسنا طريق العلم فوجدناك علما من أعلامه ومضينا على جادة الجهاد فرأيناك صارما من صوارمها، ونظرنا في ميدان السياسة فلقيناك قلما من أقلامها، سلكنا طريق الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فوجدناك معلما بارزا من معالمها -هكذا نحسبك ولا نزكي على الله أحدا -.
أبا محمد: لقد جل بك الخطب، وعظم بك المصاب، وفدح بك الرزء، وعزاؤنا على الطريق فقد الأمة لرسولها ص وأصحابه الكرام فندعو الله أن يأجرنا في مصيبتنا ويبدلنا خيرا منك .
ولو نطقت روحك لقالت لمن يتشرفون بحمل جثمانك;
خذاني فجراني ببردي إليكما فقد كنت قبل اليوم صعبا قياديا
ولو علمت كريمتك لرددت مع مالك بن الريب;
تقول ابنتي لما رأت طول رحلي سفارك هذا تاركي لا أبا ليا
هكذا مضوا: الواحد تلو الآخر، وشرفت الأرض بضم أجداثهم، أولئك القوم:
ذهب الذين يعاش في اكنافهم وبقيت في خلف كجلد الأجرب
كم كنت أحب أن أجلس إليك لأستمع الدرر التي تغوص إليها من أعماق الأمهات الغرر، وكم كانت تعجبني آراؤك الفقهية التي كانت تنم عن سعة اطلاع وفقه دقيق عميق.
كيف ننساك وكتبك تأبى علينا أن نمل ذكراك؟ إن نسينا أخلاقك ذكرنا (جند الله ثقافة وأخلاقا ) فنعرف عزمك وهمتك، وإن أردنا أن نتعرف على بدائع صنع الله عز وجل هزنا إلى كتابك (الله جل جلاله) شوق ونشوة.
وإن أزمعنا التعرف على هذا الدين ففي (الإسلام) مرتعنا وروحنا وإن شدنا إلى الرسول ص حنين ففي كتابك ريحاننا وموردنا، ويدفعنا (المدخل) إن نقتحم عالمك الذي كنت فيه تحيا ثم نمضي من أجل خطوة إلى الإمام على طريق الجهاد المبارك).
ونرتقي صعدا إلى القمة السامقة وهناك يحلو لنا أن نستروح أرج (آفاق التعاليم) وما أجمل الجولات مع الفقه الأكبر والأصغر.
ونتقلب مع النعيم في تصفح تفسير الكتاب الكريم.
ما نسيناك أيها الأخ الحبيب الأمير وعندنا (فصول في الأمرة والأمير) وسنبقى على الجادة سائرين -إن شاء الله- نستنير بارائك كيف لا وعندنا؟ (دروس في العمل الإسلامي) .
أبا محمد: أنت الآن بين يدي ربك وأفضيت إلى ما قدمت فنرجو الله أن يغفر لك زلاتك وأن يتجاوز عن سيئاتك وأن يدخلك مدخلا ترضاه، وأن يرزقك رزقا حسنا ، وهو خير الرازقين، ونرجو الله أن يجمعنا جميعا في الصالحين.
في رثاء الشيخ عبد الله ناصح علوان*
وغاب الصرح الشامخ
*- ملاحظة: نشر هذا المقال في مجلة الجهاد العدد (53) صفر (8041هـ) اكتوبر (7891م) .
عرفتك من خلال كتبك أبا حانيا ومربيا مرموقا ، وعالما فذا وداعية يشار إليه بالبنان، وقائد جيل متعطش لفهم القرآن
ورأيتك في الأردن: فارا بدينك شامخا بعزتك، مستعليا بإيمانك متوقدا بحماسك وضرام غيرتك مع إخوانك.
وعايشتك: في جامعة الملك عبد العزيز أخا كبيرا وصديقا حبيبا ورفيقا رؤوما كريما ...
وفارقتك: وتوجهت إلى أرض النزال وميدان الأبطال هنا في ذرى الجبال وفي أعماق الغابات والأدغال في أرض أفغانستان التي تخط تاريخ الإسلام بالدماء وتبني سد الإسلام العظيم أمام الطوفان الأحمر بالجماجم والأشلاء.
وبقيت رسائلك ومقالاتك المباركة ترد إلى مجلتنا (الجهاد) -صوت أفغانستان المسلمة- تباعا وصرنا ننشرها وننتظر المزيد حتى جاء مقالك الرابع والأخير مع العدد الخامس والثلاثين.. ففاجأنا النعي في مجلة المجتمع.
فرحمك الله يا شيخنا الكريم وأستاذنا الكبير، ونرجو الله أن يجمعنا بكم في الصالحين.
أخوكم/ د. عبد الله عزام