فهزيمة المعركة كانت نتيجة لبعض الذنوب وأما العلم فعن ابن مسعود مرفوعا (81) : إن الرجل ليذنب الذنب فيحرم به الشئ من الرزق، وأنه ليذنب الذنب فينسى به الباب من العلم كان قد علمه، وإنه ليذنب الذنب فيمنع قيام الليل .
وكل هذا سنراه تفصيلا ونحن نطرق أبواب السعادة البشرية بابا بابا ، وندرك أثر طاعة الله في السعادة، ونتيجة الذنوب حدوث المصائب والمحن والشقاء والبوار، والحق أن هذه القاعدة هي جماع الأمر كله في هذا الدين، بل خلاصة دين الله هي هذه القاعدة، ولذا لا يستطيع الإنسان أن يوفيه حقا ولو كان من كبار العلماء واساطينهم فكيف بعبد صغير جاهل مثلي؟
واذا ضربنا أمثلة فإنما هي علي سبيل توضيح القاعدة لا على سبيل الحصر فإن الأمثلة كثيرة من الشواهد القرآنية والأحاديث النبوية ودعنا نرى بعض الأمثلة الشاهدة لهذه القاعدة الكبرى.
ونبدأ الآن بذكر بعض أبواب السعادة البشرية:
1-السعادة النفسية والراحة القلبية:
لا يختلف اثنان أن غاية ما يصبو إليه الإنسان هو إدراك السعادة في أعماق فؤاده، والشعور بلذة العيش وطيب الحياة، فكده واجتهاده، ونصبه ووصيه كله من أجل تحقيق الراحة النفسية والطمأنينة في كيانه، ومفتاح هذا الباب خارج عن إرادة البشر، وليس بمقدور الانسان، لأن القلب الذي هو مستقر السعادة بين أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء، ولذا فليس من سبيل إلى راحة الروح ورو ح القلب الا باستمطار رحمة الله ليفتح هذا الفؤاد بمفاتحه وينعم عليه بالسعادة، ولا مفر للإنسان -إن شاء أن يسعد- إلا أن يسلك هذا الطريق الوحيد للسعادة النفسية. وإلا فليعش في الشقاء كيف يشاء.
لأن الروح التي هي من أمر الله، وهي صبغة الله، وفطرته لا يمكن أن تجد الراحة الا أن تشبع، وتشبع بنظام رباني، شأنها شأن المعدة الجائعة التي لا تهدأ إلا بالطعام والغذاء ولا يسد جوعتها ولا يؤمن راحتها رؤية المال ولا ضجيح الإعلام، ولا هتاف المجد من أفواه الملايين، انما يريح الممعدة الجائعة قطعة خبز تدخلها فتوقف اعتصارها بالألم عنه.
وكذلك الروح لا يريحها قناطير الذهب، ولا وسائل الترفيه ولا ادوات الراحة المادية، انما يشبعها صلة بربها فتهدأ، وتفيض السعادة منها على النفس البشرية ولعلنا بحاجة أن نرى بعضه النصوص الشاهدة على هذا.
ففي الذكر الحكيم:
(من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعلمون)
(النحل: 97)
والآية تشير بوضوح أن العمل الصالح يثمر الحياة الهانئه الوادعة المباركة الطيبة ويقول جل شأنه:
(وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله)
(هود: 3)
والمتاع الحسن كما قال ابن كثير (91) في الدنيا ومعناه سعة الرزق ورغد العيش كما ذكره القرطبي (02) .
وجاء في محكم التنزيل:
(فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى)
(طه: 123)
(ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة الأعمى)
(طه 124)
قال بعضهم (12) لا يعرض أحد عن ذكر الله إلا أظلم عليه وقته، وتشوش عليه رزقه وكان عيشه في ضنك.
روى خالد بن يزيد عن السفيانين عن التيمي عن خيثمة عن ابن مسعود (22) مرفوعا: لا ترضي ن أحدا بسخط الله، ولا تحمدن أحدا على فضل الله، ولا تذمن أحدا على ما لم يؤتك الله، فآت رزق الله لا يسوقه حرص حريص ولا يرده عنك كراهيه كاره، وأن الله بعدله وقسطه جعل الرو ح والفرح في الرضى واليقين، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط .
والسعادة النفسية ثمرة طبعية ونتيجة منطقيه مباركة لعقيدة القدر التي تشيع جو الطمأنينة في أرجاء النفس.
(ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك علي الله يسير لكيلا تأسوا علي ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم، والله لا يحب كل مختال فخور)
(الحديد 22 - 23)
فالمسلم هادىء النفس، مستقر الضمير، هانئ السريرة، منشرح الصدر، لا يستخفه متاع قليل فيبطر ويأشر، ولا يفجعه عرض زائل فيكفر، قال جعفر الصادق (32) : (يا ابن آدم مالك تأس على مفقود لا يرده عليك الفوت، أو تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت) .
وقال الفضيل بن عياض (32) : (الدنيا مبيد ومفيد، فما أباد فلا رجعة له، وما أقاد آذن بالرحيل) .
ولو عشت حياة السلف الصالح ساعة لاستصغرت حياتك كلها، بل أدركت أنك عشت فقط تلك الساعة، لو رأيتهم وهم يصفون ساعات حياتهم، ويعبرون عن مقدار صفو عيشهم، وهناء قلوبهم، فقد كانوا يتعاملون مع الله المسير للقدر بنفسية راضية مطمئنة، أن ما يتنزل عليهم من أمور الدنيا هو الخير لأنفسهم، لأن الله يعلم ما لا يعلمون، فإذا أصابتهم بلية أبصروا ببصائرهم مصدر المصيبة فصبروا، واذا اسبغ الله عليهم نعمة نظروا إلى يد المنعم فشكروا.
قال الربيع بن صالح (32) : (لماذا أخذ سعيد بن جبير رضي الله عنه بكيت، فقال: ما يبكيك؟ قلت: أبكي لما أرى بك، ولما تذهب إليه، قال، فلا تبك، فإنه كان في علم الله أن يكون. ألم تسمع قوله تعال:
(ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ان ذلك على الله يسير)
(الحديد: 22)
بل إن بعضهم ليستريح ويفرح إذا أصابه البلاء لما ينتظره من الثواب.
فعن أبي سعيد (42) : (قلت يا رسول الله! أي الناس أشد بلاء ؟ قال:(الأنبياء) :قلت يا رسول الله! ثم من؟ قال: ثم الصالحون، إن كان أحدهم ليبتلى بالفقر حتي ما يجد أحدهم الآ العباءه يحويها، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء) قال أبو مسلم الخولاني: (ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال، إنما الزهادة في الدنيا أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يديك وإذا أصبت بمصيبة كنت أشد رجاء لأجرها من إياها لوبقيت لك(52) وقد عبر بعضهم عن هذه السعادة قائلا (62) : لو علم الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف وقال آخر (62) : إنه يمر بالقلب أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا انهم لفي عيش طيب.
وقال ابن تيمية (72) : إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة وقد أشار النبي ص (82) إلى هذه الجنة بقوله: إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر .
يقول ابن القيم (92) قال لي الشيخ ابن تيمية مرة: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، اين رحت فهي معي لاتفارقني. إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة.