فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 17

وقال لي في السجن: المحبوس من حبس قلبه عن ربه، والمأسور من أسره هواه، وليس يعني هذا الآ أن الأمور عندهم كلها خير، وهم مطمئنون لقضاء الله، لا تهزهم أعراض الدنيا التي يموت أهلها كمدا إذا فاتتهم، وينتحرون إذا أملوا ببعض متاعها فأخطأهم. أما السلف، والخلف الذين ساروا على نهج السلف، فإنهم يجعلون الفرح شكرا ، والحزن صبرا كما قال عكرمة (03) -تلميذ ابن عباس-.

يقول ابن مسعود (13) : لأن أمس جمرة أحرقت وما أ حرقت وأبقت ما أبقت أحب إلى من أن أقول لشئ لم يكن ليته كان.

وما أجمل كلام ابن القيم في هذا:

وإذا اعترتك بلية فاصبر لها صبر الكريم فإنه بك أكرم

وإذا شكوت الى ابن آدم إنما تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم

قال قتيبة بن سعيد: دخلت على بعض أحياء العرب فإذا أنا بفضاء مملوء من الأبل الميتة بحيث لا تحصى، و رأيت شخصا على تل يعزل صوفا فسألته، فقال: كانت باسمي فارتجعها من أعطاها ثم أنشأ يقول:

لا والذي أنا عبد من خلائقه والمرء في الدهر نصب الرزء والمحن

ما سرني أن أبلي في مباركها وما جرى من قضاء الله لم يكن

ولذلك فحال المؤمن يتدرج بين الصبر والشكر، بل بعضهم يرتقي من منزلة الصبر على المصيبة إلى الرضا وكان أحدهم يعبر عن الرضا فيقول:

حسبي من الحب أني لما تحب أحب

أي أني أحب ما تحبه يا رب.

هذه النفوس العالية كيف تهزها الأحداث؟! هذه الصدور الكبيرة كيف تقلقها النوازل؟! هذه القلوب المطمئنة كيف تزلزها المحن؟! هذه الأقدام الثابته كيف يزعزها سراب الدنيا ومتاعها الرخيص؟!.

إنها قمم سامقة لا تتسلقها النفوس الصفيقة، ولاتصعدها الأقدام الواهنة، ولا تقوى عليها القلوب المريضة السقيمة.

وما أجمل قول الرسول ص: عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، و إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له (رواه مسلم، أنظر رياض الصالحين(29 ) ) .

وقد ذكر ابن القيم في زاد المعاد أسباب انشراح الصدر وذكر منها:

1-التوحيد:

(فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لايؤمنون)

(الأنعام: 125)

وتأمل في النص القرآني الذي يصف قلب المؤمن بالسعة والراحة، وأي لذة وأى نعيم في الدنيا يعدل راحة القلب وسكينته وسعة الصدر وسلامته، وكيف أن قلب الكافر ضيق فهو متوتر الأعصاب، حرج: والحرج اضيق الضيق كما قال الزجاج (23) : كأنما تحمله في مركبة فضائية، وتطلقه في السماء فيكاد يختنق لضيق التنفس، بل قد ينفجر مالم توفر له جو ا يعادل الضغط الداخلي، إنها معجزة القرآن الذي نزل من عند رب العالمين في وقت لم يكن أحد في الأرض قد صعد الآفاق العليا، وجرب ضيق التنفس، وحرج الصدر، والنزيف الداخلي، ثم يعقب رب العزة قائلا (كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون) والرجس: هو العذاب كما قال ابن زيد (23) وأصل الرجس في اللغة: هو النتن، فحياة الكافر في العذاب والنجس والنتن.

قال ابن مسعود (23) يا رسول الله! وهل ينشرح الصدر؟ فقال: نعم يدخل القلب نور، فقال: وهل لذلك علامة؟ فقال ص: التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والإستعداد للموت قبل نزول الموت .

2-العلم النافع: فإنه يشرح الصدر، ويسر القلب، وأما الجهل فيورث الضيق والحصر والحبس.

3-المحبة فإنها نعيم القلب وسعادة الروح وسرور النفس، ومحبة غير الله سجن للقلب وعذاب للروح بالشئ الذي تعلق به وهو عذاب الروح وضيق الصدر.

4-الإحسان: فإن المحسن أطيب الناس نفسا وأشرحهم صدرا وأنعمهم قلبا .

الشجاعة: فهي سرور النفس ولذتها ونعيمها وابتهاجها، وهذه كلها محرمة على كل جبان.

5-ترك فضول النظر والكلام والاستماع والمخالطة والأكل والنوم، فإن هذه الفضول تورث الإما وهموما وغموما في القلب تحصره وتحبسه ويتأذى بها.

1-تفسير ابن كثير (4 / 314) .

2-تفسير القرطبي (16 / 31) .

3-رياض الصالحين باب الصبر ص (33) .

4-تفسير ابن كثير (3 / 533) .

5-سمير المؤمنين ص (20) .

6-سنن ابن ماجة كتاب الفتن (2 / 1332) ، جاء في الزوائد: هذا حديث صالح للعمل به وقد اختلفوا في ابن أبي مالك.

7-تفسير القرطبي (ج 16ص30-31) .

8-تفسير القرطبي (16 / 31) .

9-الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء لشافي لابن القيم ص (45) .

01-الجواب الكافي (43) .

11-الجواب الكافي (43) . ومعنى ضن: بخل. العينة: أن يبيع شيئا لغيره بثمن مؤجل ويسلمه للمشتري ثم يشتريه منه قبل قبض الثمن بنقد أقل تحايلا على الربا، اتبعوا أذناب البقر: اشتغلوا بالزرع والحرث في زمن يفرض فيه الجهاد.

21-تهذيب الإمام ابن القيم على مختصر أبي داود للمنذري (ج104/8) يقول ابن القيم ربعة أحاديث تحرم الينه: فهذا اسناده حسنان يشد أحدهما الآخر.

31-أنظر تفسير القرطبي (2/187) .

41-أنظر تفسير القرطبي (14/361) ، وتفسير ابن كثير (3/ 562) ، وتفسير الطبري (176/14) ، وفتح القدير للشوكاني (172/3) ومفاتيح الغيب (التفسير الكبير للرازي(321/5) ، الحبارى: طير صغير، هزلا: ضعفا ، الوكر: العش.

51-الجواب الكافي لابن القيم (53) .

61-رواه أحمد عن ثوبان مرفوعا أنظر كشف الخفا ومزيل الألباس (280/1) ، وانظر سنن ابن ماجه (1334/2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت