الصفحة 9 من 75

1 -قول الله تعالى {فلولا نفر من كل فرقة طائفة منهم ليتفقهوا في الدين} التوبة، فهذه الآية فرقت بين الفرقة والطائفة، و بينت أن الطائفة جزء من الفرقة، وأنها هي الجزء القائم بالعلم و الجهاد من الفرقة. كما في تفسير هذه الآية (راجع ابن كثير) .

2 -العلم و الجهاد، وهما أهم صفات الطائفة المنصورة، أصل مشروعيتها أنهما من فروض الكفاية، يجب على البعض دون الكل من أبناء الأمة القيام بهما، وهذا البعض القائم بالعلم والجهاد من الأمة هم الطائفة المنصورة.

3 -وقول أئمة الحديث كالبخاري و أحمد، إن الطائفة هم أهل الحديث أو أهل العلم كما بوب البخاري على هذا في كتاب الاعتصام من صحيحه، مشعر بهذا الفرق، فإنه ليس كل من كان من أهل السنة (الفرقة الناجية) فهو من أهل الحديث، أما ما نقله النووي عن الطائفة"قال أحمد بن حنبل: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم، قال القاضي عياض: إنما أراد أحمد أهل السنة والجماعة ومن يعتقد مذهب أهل الحديث"فقول القاضي عياض إن أهل الحديث أي أهل السنة جميعا. لا يستقيم، إلا أن يقال بالتبعية وهو ما أشار إليه بقوله (ومن يعتقد مذهب أهل الحديث) فإن العامة ينبغي أن يكونوا تبعا لعلمائهم، فالعلماء هم من أولي الأمر المذكورين في قوله تعالى {ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} النساء. ففي هذه الآية سمى الله تعالى العلماء (وهم الذين يستنبطونه) سماهم أولي الأمر، وهذا نص في كون العلماء من أولي الأمر وفيه تبع للعلماء، قال تعالى {يوم ندعو كل أناس بإمامهم} الإسراء، وأهل السنة والجماعة تبع لعلمائهم الذين هم الطائفة المنصورة القائمة في الأمة مقام النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإذا قيل إن أهل السنة (الفرقة الناجية) هم الطائفة المنصورة أي بالتبعية وإلا فإن الطائفة أخص من الفرقة، والله تعالى أعلم.

و المقصد من هذا أن يسعى كل مسلم لان يكون من هذه الطائفة المنصورة القائمة بنصرة الدين بالعلم والدعوة و الجهاد، قال تعالى: {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} المطففون. قلت: ومع ذلك فإن الطائفة قد تكون هي الفرقة بأكملها وذلك في آخر الزمان حينما ينحاز المؤمنون إلى الشام وعليهم ينزل عيسى بن مريم عليه السلام لقتال الدجال كما في الأحاديث الصحيحة، وعلى هذا تنزل الروايات التي ذكرت أن الطائفة تكون بالشام أو بيت المقدس (حديث أبي أمامة) وأن هذا يكون بالنسبة لآخر هذه الطائفة بإطلاق، أما قبل ذلك من الأزمنة فالطائفة قد تكون بالشام أو بغيره، وانظر كلام صاحب كتاب فتح المجيد شرح كتاب التوحيد في شرح الطائفة (ط أنصار السنة صـ278،279) ، والله تعالى أعلم."العمدة في إعداد العدة ص (78) ."

أقول -والله أعلم-: ومما سبق من الشروح و البيانات نستنتج أن أهل العلم عموما جعلوا الطائفة المنصورة إحدى ثلاثة أقسام:

والذي يبدو لي جمعا بين هذه الأقوال -والله أعلم- ما يلي:

1)أن معظم السلف ممن جعلهم أهل الحديث وأهل العلم لأنهم كانوا أسبق الناس إلى الجهاد والقتال إذا تعينت الفريضة أو إذا لم تحقق الكفاية في القتال، بل قد ورد عن بعض السلف أنه دخل الثغور أكثر من مئة مرة ليس بقصد القتال و إنما لأخذ الحديث لكثرة أهل الحديث في مواقع الرباط، وثغور الجهاد.

2)أن الطائفة المنصورة هم الذين يتصدرون لأهم الأولويات و الفروض والواجبات في زمانهم من هذه الأبواب الثلاثة - العلم- الدعوة (والأمر والنهي) - القتال؛ ففي زمن مثل زمن البخاري والإمام أحمد رحمهما الله تعالى، كانت الخلافة الإسلامية قوية مهيمنة غازية لأعدائها، واضعة للجزية والصغار على من جاورها من الكفار، فكان حريا أن يكون رؤوس الطائفة المنصورة من أمثال أولئك الأئمة متصدرين للأولوية الأولى، وهي العلم بالسنة وجهاد البدع وهو جهاد البيان، أو في جهاد أئمة الباطل وأمراء الجور من الذين ظلموا أو ابتدعوا كموقف الإمام أحمد رحمه الله من بني العباس وبدعة خلق القرآن، فكانت ثغرة شاغرة في حين لم يكن هناك من صائل محارب على الأمة، بينما نجد الإمام ابن تيمية جعل جيش الشام ومصر -على ما كان فيهم من البدع والجهل- من أخص من عمهم الانتماء للطائفة المنصورة، لدفعهم العدو عن دين الله وبيضة المسلمين وحوزتهم، رغم عدم إتصافهم بالعلم، ولم يكن المماليك من أهل الحديث كما هو معلوم ... بل كانوا للجهل أقرب منهم للعلم بعمومهم.

3)لاشك أن القتال بعدم علم بدين الله، وعن غير انطلاق من أصوله وإن كان أصحابه مأجورين بنيتهم في دفع أعداء الله عن الدين والأنفس و الأعراض والأموال، لا يجعل القائمين بهذا من الطائفة الظاهرة على الحق لأنهم لا يكونون ظاهرين على الحق ولا قائمين بأمر الله تماما إلا بالعلم.

4)ليس بالضرورة أن يكون كل فرد في الطائفة المنصورة من أهل العلم، ولكن يكفي أن يكون الأمر فيها وأهل الأمر والنهي والقيادة قد توفرت في مجموعهم صفات العلم والدعوة والجهاد والقتال، ويحكم للطائفة بحكم الراية العامة والقيادة.

5)أخيرا ولا شك لا بد من البيان أن الكمال في الطائفة المنصورة ورؤوسها أن تجمع العلم إلى الدعوة والأمر والنهي إلى القتال والثبات على ذلك، كما كان حال أئمة الإسلام العظام من أمثال الإمام ابن المبارك رحمه الله، وهو من كبار علماء الإسلام و محدثيهم وفقهائهم ومن كبار المجاهدين المرابطين في الجهاد، وكذلك الإمام ابن تيمية رحمه الله وهو كذلك من كبار العلماء وأهل الحديث، ومن كبار المجاهدين كلما نزل الصائل، ومن أولئك الإمام الجليل العز بن عبد السلام، وهو كذلك سلطان العلماء ومن مجاهديهم أيام التتار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت