بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبعد: فلقد بعث الله سبحانه وتعالى رسوله محمدا - صلى الله عليه وسلم - بالكتاب والسنة وبهما أتم على أمته النعمة قال تعالى (ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون كما أرسلنا فيكم رسول منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون) [1] ، فمن أعظم نعم الله تعالى على عباده أن أرسل لهم الرسول ليعلمهم الكتاب والحكمة ويحيي قلوبهم بنور الإيمان وينقذهم من ضلال الشرك والكفران، وقال تعالى (لقد مَنَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة) [2] ، وقال تعالى (واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به) [3] ، وقال تعالى (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة) [4] ولقد استجاب الله تعالى في ذلك لخليله إبراهيم حيث قال (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم) [5]
وقد ورد في فضل هذا العلم النبوي وأهله ـ وهو ميراث النبوة [6] ـ كثير من الأدلة في الكتاب والسنة، ونحن نذكر هنا مختصرا مما ورد في ذلك، ومن أراد بيان المزيد فعليه بما كتبه
(1) سورة البقرة: الآية: 150ـ151.
(2) سورة آل عمران، الآية: 164.
(3) سورة البقرة، الآية: 231.
(4) سورة الجمعة، الآية: 3.
(5) سورة البقرة، الآية: 129.
(6) هذا اللفظ مستفاد من حديث رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجة وأحمد والدارمي والبزار وقال الهيثمي: رجاله ثقات، وقال ابن الجوزي في العلل المتناهية: أسانيدها صالحة ورواه ابن حبان وصححه عن كثير بن قيس قال: كنت جالسا مع أبي الدرداء - رضي الله عنه - في مسجد دمشق فأتاه رجل فقال: يا أبا الدرداء إني أتيتك من مدينة الرسول في حديث بلغني أنك تحدثه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال أبو الدرداء - رضي الله عنه: أما جئت لحاجة؟ أما جئت لتجارة؟ أما جئت إلا لهذا الحديث؟ قال: نعم قال - رضي الله عنه: فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول (من سلك طريقا يطلب فيه علما سلك الله به طريقا من طرق الجنة، والملائكة تضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن العالم يستغفر له من في السماوات ومن في الأرض والحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وأورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر) قال ابن حبان: قال أبو حاتم: في هذا الحديث بيان واضح أن العلماء الذين لهم الفضل الذي ذكرنا هم الذين يعلمون علم النبي - صلى الله عليه وسلم - دون غيره من سائر العلوم ألا تراه يقول العلماء ورثة الأنبياء والأنبياء لم يورثوا إلا العلم وعلم نبينا - صلى الله عليه وسلم - سنته فمن تعرى عن معرفتها لم يكن من ورثة الأنبياء. انتهى، وقد بوب البخاري به باب العلم قبل القول والعمل لقول الله تعالى (فاعلم أنه لا إله إلا الله) فبدأ بالعلم وأن العلماء هم ورثة الأنبياء ورثوا العلم من أخذه أخذ بحظ وافر، وقال أبو عيسى الترمذي بعد رواية هذا الحديث: ولا نعرف هذا الحديث إلا من حديث عاصم بن رجاء بن حيوة وليس هو عندي بمتصل هكذا حدثنا محمود بن خداش بهذا الإسناد، وإنما يروى هذا الحديث عن عاصم بن رجاء بن حيوة عن الوليد بن جميل عن كثير بن قيس عن أبي الدرداء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا أصح من حديث محمود بن خداش ورأي محمد بن إسماعيل هذا أصح، وقال العجلوني في كشف الخفاء: حديث (العلماء ورثة الأنبياء) رواه أحمد والأربعة وآخرون عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - مرفوعا بزيادة (إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما إنما ورثوا العلم ... ) الحديث وصححه ابن حبان والحاكم وغيرهما وحسنه حمزة الكتاني وضعفه غيرهم لاضطراب سنده لكن له شواهد، ولذا قال الحافظ: له طرق يعرف بها أن للحديث أصلا، ورواه الديلمي عن البراء بن عازب بزيادة (يحبهم أهل السماء وتستغفر لهم الحيتان في البحر إذا ماتوا) ورواه أيضا بلا سند عن أنس - رضي الله عنه - بزيادة (وإنما العالم من عمل بعلمه) وقال النجم: وروى أبو يعلى عن علي - رضي الله عنه: العلماء مصابيح الأرض وخلفاء الأنبياء وورثتي وورثه الأنبياء. انتهى قال ابن تيمية رحمه الله: ومن المستقر في أذهان المسلمين أن ورثة الرسل وخلفاء الأنبياء هم الذين قاموا بالدين علما وعملا ودعوة إلى الله والرسول، فهؤلاء أتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - حقا وهم بمنزلة الطائفة الطيبة من الأرض التي زكت فقبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير فزكت في نفسها وزكى الناس بها، وهؤلاء هم الذين جمعوا بين البصيرة في الدين والقوة على الدعوة ولذلك كانوا ورثة الأنبياء الذين قال الله تعالى فيهم (واذكر عبادنا إبراهيم وإسحق ويعقوب أولى الأيدي والأبصار) ، فالأيدي القوة في أمر الله والأبصار البصائر في دين الله، فبالبصائر يدرك الحق ويعرف وبالقوة يتمكن من تبليغه وتنفيذه والدعوة إليه، فهذه الطبقة كان لها قوة الحفظ والفهم والفقه في الدين والبصر والتأويل ففجرت من النصوص أنهار العلوم واستنبطت منها كنوزها ورزقت فيها فهما خاصا، كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وقد سئل هل خصكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشيء دون الناس فقال - رضي الله عنه: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتابه، فهذا الفهم هو بمنزلة الكلأ والعشب الذي أنبتته الأرض الطيبة وهو الذي تميزت به هذه الطبقة. اهـ (راجع مجموع فتاوى ابن تيمية ج4/ 93)