فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 60

كان يحب أن يتميز وينفرد بأشياء، سواء كانت مما ميزه الله به حقيقة أو مما ميزته به الجاهلية، ويختلط الأمران معًا في حسه، فيعتقد أنهما - كليهما - من صميم الدين، وأنه حين يدافع عن مركزه المتميز، ويدفع المرأة عن اللحاق به، يدافع عن الدين!

ولم يفت المدافعين عن [قضية المرأة] أن يستغلوا نقطة الضعف هذه في موقف المعارضين، وأن يستغلوها إلى آخر المدى .. فدعوا إلى إخراج الدين كله من القضية، والحديث عنها على أنها قضية تقاليد .. وحين تكون على هذه الصورة، فهي إذن تقاليد عتيقة بالية، ينبغي أن تحطم ويستبدل بها تقاليد جديدة .. عصرية تقدمية متطورة.

وبطبيعة الحال لم يرض المتدينون والحريصون على الأخلاق عن حصر القضية في محيط التقاليد وإخراجها من دائرة الدين، كما كان أعداؤهم يدعونهم كلما احتدمت المعركة بقولهم: لا تزجوا بالدين في كل الأمور! فالدين لا علاقة له بهذه الأمور!!

ولكنهم في النهاية انهزموا وتراجعوا .. ثم صمتوا .. وتقرر الأمر الذي خطط له المخططون، فأصبح [أمرًا واقعًا] رضي المتدينون أو كرهوا، وأعلنوا رأيهم أو صمتوا عنه.

لماذا حدث ذلك؟!

لم يكن [التطور العالمي] كما توهم المتوهمون. ولم يكن ضغط الحضارة الغربية. ولم يكن [الحق] الذي كان مغلوبًا، ثم انتصر كما أذاع المدافعون عن قضية المرأة. ولم تكن [طبيعة القضية] وكونها قضية عالمية لا بد أن تأخذ مجراها في كل الأرض .. بل لم يكن الغزو الفكري في ذاته هو الذي جعل الأمور تأخذ هذه الصورة.

إنما كان قبل كل شيء: الهزيمة الداخلية الناشئة من الخواء الناجم بدوره عن التخلف العقدي، والانبهار بما عند الغرب، والظن بأنه لا بد أن يكون صوابًا ما دام آتيًا من عند الأقوياء الغالبين!

نعم، إنها الهزيمة الروحية هي التي مكنت للغزو الفكري، وهي التي جعلت كل ما يخططه المخططون يَنفُذُ كأنه أمر حتمي لا مرد له، ولا طاقة لأحد بالوقوف في طريقه!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت