فهرس الكتاب
ولقد فرح الناس بها فرحًا شديدًا عند مولدها، وأقبل الشباب عليها بلهفة وتشوق، لأنها - في ظاهرها - كانت خطوة تعليمية وثقافية ضخمة، سدت ثغرة كانت موجودة في الحياة المصرية، بعد تجمد الأزهر، وانصراف الناس عنه، والعزلة التي فرضها عليه دنلوب .. ثم لأمر آخر كان يخالج تلك النفوس ويزيد من فرحتها: لقد صرنا الآن مثل أوربا .. صارت لدينا جامعة!
· ولم يكن كثيرون يتوقعون أن تصبح الجامعة منبرًا لمهاجمة الإسلام، ولتخريج شباب يستخفون علانية بكل القيم الدينية، يستخفهم الغرور العلمي - أو الجهلي! - متكئين إلى أنهم [خريجوا الجامعة] أي [الطراز] الحديث! - فليس لأحد أن يتصدى لهم أو يناقشهم أو يخطئهم .. وإلا فهو جاهل رجعي متخلف .. فهنا - في الجامعة - وهنا فقط، يوجد العلم الحق، والأفق الواسع، والفكر المتحرر، والنظرة التقدمية، والروح العلمية، وإرادة الحياة الحرة .. وفي كل مكان آخر - أيًّا يكن ذلك المكان - توجد الرجعية والجمود والتأخر، والعفن المنتن الذي خلفته عصور الانحطاط، والجهل الفاضح الذي يعيش في الظلمات، غير منفتح على تيار الحياة الحي .. ويكفي أهله سوءًا وجهالة وتخلفًا أنهم لا يعرفون [لغة أجنبية] ! [1] .
ولعل الناس فوجئوا - في أول الأمر - بالمستشرقين الذين يقدحون في الإسلام، ويشوهون صورته، ويهاجمونه جهرة، أساتذة في كلية الآداب يدرسون أفكارهم للطلاب، تحت إشراف طه حسين [عميد الأدب العربي] ورئيس قسم اللغة العربية يومئذ، ومن بينهم المستشرق اليهودي [مرجوليوث] الذي كان يقول: إن محمدًا صلى الله عليه وسلم مجهول النسب! فقد كانت العرب
(1) ربما لا يعلم كثير من القراء أنني من خريجي تلك الجامعة، ومن دراستي اللغة الإنجليزية والأدب الإنجليزي فيها، فلست أصدر فيما أقرر هنا عن عصبية معهدية ضد الجامعة! إنما هي الحقيقة التي أحسبها - الآن - لم تعد خافية! ولا ينكر أحد أنه من الناحية [الثقافية] كانت الجامعة أوسع أفقًا، وخريجوها أكثر احتكاكًا بالأفكار [العالمية] . ولكنها لم تكن توجه طلابها لنقد الحضارة الغربية، واختيار الصالح من ثمارها للاستفادة به في [نهضة] حقيقية، مع طرح الفاسد من هذه الثمار، إنما كانت على العكس من ذلك من أكبر أدوات [التغريب] .