فيدل حديثا عائشة وفاطمة بنت المنذر على ما فهمته الصحابيات من أن نهي المحرمة عن لبس النقاب والقفازين يعني النهي عن لبس المفصَّل على قدر الوجه واليدين، ولا يعني كشف الوجه، بل عليها أن تغطي وجهها بغير النقاب كما فعلن. كما أن الرجل المحرم ينهى عن لبس السراويل المخيطة ولا يعني هذا كشف عورته، بل يلبس الإزار بدل السروال .. [مجموع الفتاوى 22/ 120] .
قال العلامة ابن القيم رحمه الله:"فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرع لها كشف الوجه في الإحرام ولا غيره، وإنما جاء النص بالنهي عن النقاب خاصة كما جاء بالنهي عن القفازين، وجاء النهي عن لبس القميص والسراويل، ومعلوم أن نهيه عن لبس هذه الأشياء لم يُرد أنها تكون مكشوفة لا تستر ألبتة، بل قد أجمع الناس على أن المحرمة تستر بدنها بقميصها ودرعها، وأن الرجل يستر بدنه بالرداء وأسافله بالإزار، مع أن مخرج النهي عن النقاب والقفازين والقميص والسراويل واحد، فكيف يزاد على موجب النص ويفهم منه أنه شرع لها كشف وجهها بين الملأ جهارًا؟ فأي نص اقتضى هذا، أو مفهوم أو عموم أو قياس أو مصلحة؟! بل وجه المرأة كبدن الرجل يحرم ستره بالمفصل على قدره كالنقاب والبرقع، بل وكَيَدِها يحرم سترها بالمفصل على قدر اليد كالقفاز، وأما سترها بالكم وستر الوجه بالملاءة والخمار والثوب؛ فلم ينه عنه ألبته".اهـ من بدائع الفوائد ..
هذا في الحج أو العمرة عند ضعف الشهوة وأمن الفتنة, ومع ذلك تستر الوجه بغير النقاب, وتستر الكفين بغير القفازين .. فكيف في غير الحج والعمرة؟!
وعن ابن عمر رضي الله عنها قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة) فقالت أم سلمة: فكيف يصنعن النساء بذيولهن؟ قال: (يرخين شبرًا) فقالت: إذًا تنكشف أقدامهن! قال: (فيرخينه ذراعًا لا يزدن عليه) [رواه الترمذي والنسائي وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح, وانظري السلسلة الصحيحة] .
وعن أنس رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم شبر لفاطمة من عقبها شبرًا وقال: هذا ذيل المرأة) .اهـ [رواه الطبراني وأبو يعلى, وانظر الفتح 10/ 320] .
فإن كانت المرأة مأمورة بستر قدمها, فهي مأمورة من باب أولى بستر وجهها وكفيها.
ولقد استقر عمل الصحابيات على ستر وجوههن بعد نزول آيات الحجاب بعدما كن يكشفنها قبل ذلك، وعلى هذا جرى العمل بين نساء المسلمين كما يدل عليه ما قاله الإمام أبو حامد الغزالي المتوفى في أول القرن السادس الهجري (505 هـ) ، قال رحمه الله:"لم يزل الرجال على ممر الزمان مكشوفي الوجوه والنساء يخرجن منتقبات".اهـ [إحياء علوم الدين 2/ 53] .