وقد أشار إلى جريان عمل المسلمين على هذا الأمر الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي بلاد الحرمين ورئيس قضاتها سابقا، فقال في فتواه رقم 2639: عن حكم سفور المرأة وخروجها بين الرجال الأجانب؟ فأجاب رحمه الله:"الحمد لله، لا يخفى أن عمل المسلمين ونساء النبي عليه الصلاة والسلام ونساء الصحابة في عهده عليه الصلاة والسلام وعهد خلفائه الراشدين والسلف الصالح رضوان الله عليهم أن المرأة لا تخرج سافرة، والنصوص الشرعية من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة ومن بعدهم على هذا كثيرة معروفة، وقد أمر الله نساء المؤمنين أن (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ) ، وفسّره ابن عباس وغيره من السلف بتغطية الوجه عن الرجال الأجانب. ولم يضع الجناح في ترك الحجاب إلا عن القواعد بشرط عدم التبرج، فقال تعالى: (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاء اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ) وقال عليه الصلاة والسلام: (المرأة عورة) والعورة يجب سترها كلها ولا يجوز كشف شيء منها، وحكى ابن المنذر الإجماع على أن المرأة المُحْرِمة تغطي رأسها وتستر شعرها وتسدل الثوب على وجهها سدلًا خفيفًا تستتر به عن نظر الرجال الأجانب. وحكى ابن رسلان اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه. ولو تتبعنا كل ما ورد في هذا لطال الكلام، وفي هذا كفاية لمن كان قصده الحق، والله الموفق".اهـ
وأما من ذهب إلى جواز كشف وجه المرأة وكفيها من أهل العلم, فلا يستند رأيهم إلى نص صحيح صريح, بل جل ما يستدلون به؛ هو ما يعرف بـ"حوادث الأعيان", وقد ناقشها علماؤنا ومشايخنا, فأفادوا وأجادوا, وأحيلك إلى ما سطرته يد شيخنا العلامة عبد القادر بن عبد العزيز في كتابه:"الجامع في طلب العلم الشريف", في:"أحكام الحجاب والنظر والاستئذان"ص982 وما بعدها.
وأما الأحاديث المرفوعة, فعمدة المجيزين, هو حديث أسماء رضي الله عنها الذي رُوي من طريق:
خالد بن دريك عن عائشة أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفه) .
ولكن هذا الحديث لا يُرفع به رأسًا؛ فهو ضعيف سندًا ومتنًا:
أما ضعف الإسناد: فقد قال أبو داود:"هذا مرسل, خالد بن دريك لم يدرك عائشة".اهـ وقال ابن القطان:"ومع هذا فخالد مجهول الحال".اهـ وقال المنذري:"وفيه أيضًا سعيد بن بشير أبو عبد الرحمن البصري نزيل دمشق مولى بني نضر تكلم فيه غير واحد".اهـ وفيه غير هذه العلل, ذكرها شيخنا المحدث عبد الله السعد فك الله أسره.
هذا من جهة ضعف الإسناد.
أما ضعف المتن: فكيف تخرج أسماء بنت أبي بكر بثياب رقاق؟! هذا لم يكن معهودًا عند النساء الحرائر كبنت الصديق رضي الله عنها وعن أبيها؟!
ثم, حتى وإن سلمنا بصحة حديث أسماء -جدلًا-, فهو قبل نزول آية الحجاب, والله أعلم.
أجابه، عضو اللجنة الشرعية:
الشيخ أبو همام بكر بن عبد العزيز الأثري