فهرس الكتاب
قال الإمام ابن وهب رحمه الله: قال ابن شهاب:"كان خيارنا يقرأون في المصاحف في رمضان, وقال مالك والليث مثله".اهـ [المدونة 1/ 194] .
وقال الإمام ابن قدامة المقدسي رحمه الله:"فصل قال أحمد: لا بأس أن يصلي بالناس القيام وهو ينظر في المصحف. قيل له: في الفريضة: قال: لا, لم أسمع فيه شيئًا."
وقال القاضي: يكره في الفرض, ولا بأس به في التطوع إذا لم يحفظ, فإن كان حافظًا كره أيضًا.
وقد سُئل أحمد عن الإمامة في المصحف في رمضان, فقال: إذا اضطروا إلى ذلك. نقله علي بن سعيد, وصالح, وابن منصور".اهـ [المغني 1/ 612 - 613] ."
أما من منع مطلقًا؛ فلكون القراءة من المصحف حركة كثيرة في الصلاة, قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"ومنع منه آخرون, لكونه عملًا كثيرًا في الصلاة".اهـ [فتح الباري 2/ 185] , ويجاب عليه بالآتي:
1 -العمل الكثير في الصلاة, إذا كان لحاجة جاز ما لم يتوال؛ لدلائل كثيرة, منها: حمله صلى الله عليه وسلم أمامة بنت زينب في الصلاة, فعن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأبي العاص بن ربيعة بن عبد شمس. فإذا سجد وضعها, وإذا قام حملها) [متفق عليه] . وهذا حديث محكم غير منسوخ كما ظن بعض أهل العلم, قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"أن القصة كانت بعد قوله صلى الله عليه وسلم: (إن في الصلاة لشغلًا) , لأن ذلك كان قبل الهجرة, وهذه القصة كانت بعد الهجرة قطعًا بمدة مديدة".اهـ [فتح الباري 1/ 592, ونقل ذلك الشوكاني في نيل الأوطار 2/ 123] .
2 -العمل إذا كان لصالح الصلاة جاز, كإتمام الصفوف إذا تخللها فراغ ونحو ذلك. قال الإمام ابن قدامة رحمه الله:"واختصت الكراهة بمن يحفظ لأنه يشتغل بذلك عن الخشوع في الصلاة, والنظر إلى موضع السجود لغير حاجة ..".اهـ
قلت: قد يُجاب على علة المانعين أيضًا بـ: أن ذلك العمل الكثير الذي يقوم به القارئ من المصحف أثناء صلاته, كان ذلك في السابق, قبل اختراع المطابع وطبع المصاحف الصغيرة الحجم, الخفيفة الوزن, مما سهل حملها والقراءة منها, دون تكلف, أو كثرة حركة, والله أعلم.
وأما التفريق بين النفل والفرض فلأمور, منها:
لأن الفرض لا يحتاج -عادة- إلى ذلك, بخلاف النوافل حيث يحتاج الناس فيها إلى القيام الطويل, وسماع القرآن, وقد لا يتيسر لهم وجود الحافظ المجود. قال الإمام ابن قدامة المقدسي رحمه الله:"وكُره في الفرض على الإطلاق, لأن العادة أنه لا يحتاج إلى ذلك فيها. وأُبيحت -أي في النوافل- لموضع الحاجة إلى سماع القرآن, والقيام به ..".اهـ [المغني 1/ 613] .
والنوافل يُتجاوز فيها ما لا يُتجاوز في الفرائض؛ فصلاة النافلة -مثلًا- يجوز أداؤها من قعود مع القدرة على القيام .. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يُصلي النوافل في السفر على راحلته حيث توجهت .. إلخ
وأما متابعة المأموم لقراءة الإمام, من المصحف خلفه, فيفتح عليه إذا أخطأ أو تعايا, فهي جائزة أيضًا, لا حرج فيها -بإذن الله-.
فعن ثابت البناني رحمه الله قال: كان أنس بن مالك رضي الله عنه يُصلي وغلامه يُمسك المصحف خلفه, فإذا تعايا في آية فتح عليه. اهـ [رواه ابن أبي شيبة في المصنف برقم: 7199] . والله أعلم.
أجابه، عضو اللجنة الشرعية:
الشيخ أبو همام بكر بن عبد العزيز الأثري