فهرس الكتاب

الصفحة 191 من 265

وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحراء فإذا مناد يناديه: يا رسول الله. فالتفت فلم ير أحدًا, ثم التفت فإذا ظبية موثقة فقالت: ادن مني يا رسول الله. فدنا منها فقال: (ما حاجتك؟) فقالت: إن لي خشفين في هذا الجبل, تحلني حتى أذهب فأرضعهما ثم أرجع إليك. قال: (وتفعلين؟) قالت: عذبني الله عذاب العشار إن لم أفعل. فأطلقها فذهبت فأرضعت خشفيها ثم رجعت فأوثقها. وانتبه الأعرابي فقال: ألك حاجة يا رسول الله؟ قال: (نعم, تطلق هذه) فأطلقها فخرجت تعدو وهي تقول: أشهد أن لا إله إلا الله, وأنك رسول الله. [رواه البيهقي من طرق, وأبو نعيم الأصبهاني, وقال ابن حجر الهيتمي: الحاصل أنه وإن ضعفه جماعة من الأئمة لكن طرقه يقوي بعضها بعضًا] .

وقال الحسين بن زياد: سمعت منيعًا يقول: مرّ تاجر بعشار فحبسوا عليه سفينته, فجاء إلى مالك بن دينار فذكر ذلك له. قال: فقام مالك فمشى إلى العشار, فلما رأوه قالوا: يا أبا يحيى ألا تبعث إلينا حاجتك؟ قال: حاجتي أن تخلوا سفينة هذا الرجل. قالوا: قد فعلنا. قال: وكان عندهم كُوز يجعلون فيه ما يأخذون من الناس من الدراهم, فقالوا: ادع الله لنا يا أبا يحيى. قال: قولوا للكوز يدعو لكم! كيف أدعو لكم وألفٌ يدعون عليكم؟! أترى يُستجاب لواحد ولا يُستجاب لألف؟! [صفة الصفوة 3/ 200, برقم:522] .

وعد الإمام ابن حجر المكي الهيتمي رحمه الله هذا العمل من الكبائر فقال:"الكبيرة الحادية والثلاثون بعد المائة: جباية المكوس والدخول في شيء من توابعها كالكتابة عليها ..".اهـ [الزواجر عن اقتراف الكبائر 1/ 346] .

وقال رحمه الله:"عد ذلك من الكبائر ظاهر وبه صرح جماعة, والأحاديث في وعيده كثيرة صحيحة لا تحصى ..".اهـ [الزواجر عن اقتراف الكبائر 1/ 350] .

وأخيرًا: قال شيخنا أبو محمد المقدسي فك الله أسره:"وأما جعل بعض مشايخ السلاطين العمل بالضرائب (جائزا، لا شيء فيه) بدعوى أن المكس يأخذه المتسلطون كقطاع الطرق بلا وجه حق وبلا مقابل يعني باطلا وأما الدول اليوم فزعم أنها تضع هذه الأموال في المصالح العامة كشق الطرق والجسور والمستشفيات والتعليم وغيره!! حتى خلص إلى أن هذه الضرائب ليست مكوسا، فيجب عنده دفعها ولا يجوز التهرب منها، فهذا لا شك من طمس البصائر ومن البعد عن الواقع ومن فساد الأصول الذي يؤدي ولا بد إلى فساد مثل هذه الفروع .."

فالناظر في مصارف الضرائب في واقع الدول اليوم يرى أنه لا يصرف في ما تحدث عنه هذا المفتي الا النزر اليسير والباقي ينفق في أهواء الحكام والحكومات والتي أغلبها من باب قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) .

ثم لو صدق زعم هذا المفتي وكان مصرف الضرائب كله فيما هذر فيه فبأي حق يؤخذ مال المسلم غصبا وبغير طيب نفس منه ولا تطوع أو تصدق لينفق في المصالح العامة كشق الطرق والجسور والمستشفيات والتعليم وأين هذا من قوله صلى الله عليه وسلم: (لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ) وقوله (إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا) .

وهل يراد بأمثال هذه الفتاوى التي لا دليل يدعمها إلا الهوى؛ و إلا إرضاء السلاطين وتسليط الظلمة على حقوق الناس وأموالهم باسم الشرع والفتوى عياذا بالله ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت