فهرس الكتاب

الصفحة 194 من 265

ثالثًا: إن قمة الأدب وكماله هو ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم ونسائه, إذ لو كان الحجاب في البيت عن الزوج أو المحارم, أو في الخلوة؛ من الأدب لسبقك إليه نساء النبي صلى الله عليه وسلم! فلا تستقلي ما كان عليه نساء النبي صلى الله عليه وسلم وإقراره لهن على ذلك.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:"جاء ثلاث رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا: أين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟! قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا. وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني) [متفق عليه] ."

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:" (كأنهم تقالوها) بتشديد اللام المضمومة أي استقلوها, وأصل تقالوها تقاللوها أي رأى كل منهم أنها قليلة".اهـ [فتح الباري 9/ 132] .

رابعًا: على المرأة المسلمة أن تتزين لزوجها ولا تتبذل في بيتها, واحتجابها عنه ليس من إبداء الزينة, لأن الحجاب ساتر للزينة كما قال الله تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ .. ) [النور: 31] .

قال الإمام ابن العربي المالكي رحمه الله:"حرم الله إظهار الزينة, كما تقدم على الإطلاق, واستثنى من ذلك اثني عشر محلًا: المستثنى الأول: البعولة. والبعل: هو الزوج والسيد في لسان العرب ..".اهـ [أحكام القرآن 3/ 305 - 306] .

وجاء في قصة سلمان مع أبي الدرداء قبل نزول آية الحجاب, عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء متبذلة, فقال لها ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاما فقال: كل فإني صائم. قال: ما أنا بآكل حتى تأكل فأكل. فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم فقال: نم فنام ثم ذهب يقوم فقال: نم فلما كان آخر الليل قال: سلمان قم الآن قال فصليا فقال له سلمان: إن لربك عليك حقا, ولنفسك عليك حقا, ولأهلك عليك حقا, فأعط كل ذي حق حقه. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال النبي صلى الله عليه وسلم (صدق سلمان) [أخرجه البخاري] .

وفي رواية عند أبي نعيم في"حلية الأولياء"عن أم الدرداء عن أبي الدرداء: أن سلمان دخل عليه فرأى امرأته رثة الهيئة .. الحديث.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:"متبذلة: أي لابسة ثياب البذلة, وهي المهنة .. والمراد أنها تاركة للبس ثياب الزينة".اهـ [فتح الباري 4/ 268 باختصار] .

وأخيرًا: على الأخت السائلة أن تُوصل هذا الحكم لزوجها بالحكمة والموعظة الحسنة, وأن لا تُعكر صفو الود الذي بينهما بالانفعال ونحوه, بل عليها بالكلمة الطيبة الهادئة الهادفة, والله ولي التوفيق.

أجابه، عضو اللجنة الشرعية:

الشيخ أبو همام بكر بن عبد العزيز الأثري

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت