فهرس الكتاب
هذا كثيرة: كالذي أهدى النبي صلى الله عليه وسلم خمرًا بعد تحريمها، لأنه كان يعتقد حلها، لكن النبي صلى الله عليه وسلم عذره لعدم بلوغه الخطاب الشرعي الذي يحرم الخمر، ولذلك قال له صلى الله عليه وسلم: (أما علمت أن الله حرمها) ، قال: لا ... [1] . وكالذين كانوا يصلون إلى بيت المقدس بعد تحويل القبلة إلى الكعبة، لأنهم كانوا يعتقدون وجوب الصلاة نحو بيت المقدس، لكنهم كانوا معذورين، لعدم بلوغهم النص الذي يأمر بتحويل القبلة إلى الكعبة المشرفة [2] . والأمثلة كثيرة ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق. ولهذا قلت:
20 -مَنْ لَمْ يَصِلْ لِخِطَابِ الشَّرْعِ فَهْوَ بَرِيْ ... مِنْ كُلِّ كُفْرٍ فَكُنْ يَاصَاحِ ذَا فَهَمِ
2 -المانع الثاني: التأويل [3] ، أو: الفهم الخطأ للمراد من النص:
مما يعذر به المرء الفهم الخاطئ للنص، فيتأوله-مع اعتقاده أنه قد أصاب مراد الشرع-تأويلًا خاطئًا بعيدًا عن الصواب، ومناقضًا لمدلولاته.
وغالبًا ما يحصل مثل هذا التأويل الخاطئ في الأمور الخفية [4] . والنص يحتمل ذلك الفهم من جهة مدلولاته اللغوية، لا يكفر حتى تقوم عليه الحجة الشرعية بإزالة ما أشكل عليه فهمه من النص. كالذي حصل مع الصحابي قدامة بن مظعون ونفر معه، حيث إنهم استحلوا شرب الخمر-وهذا كفر-بناءً على فهم خاطئ للمقصود من النص، إلا أنهم بأعيانهم لم يكفروا لشبهة التأويل التي كانت عندهم. قال شيخ الإسلام: (فإن قدامة، شربها هو وطائفة، وتأولوا قوله تعالى:(ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات) [5] .
فلما ذُكر ذلك لعمر اتفق هو وعلي بن أبي طالب وسائر الصحابة على أنهم إن اعترفوا بالتحريم جلدوا، وإن أصروا على استحلالها قتلوا. وقال عمر لقدامة: أخطأت استك الحفرة، أما أنك لو اتقيت وآمنت وعملت الصالحات لم تشرب الخمر، وذلك أن هذه الآية نزلت بسبب أن الله سبحانه وتعالى لما حرم الخمر وكان تحريمها بعد وقعة أحد، قال بعض الصحابة: فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر فأنزل الله هذه الآية يبين فيها أن طعم الشيء في الحال التي لم تحرم فيها فلا جناح عليه إذا كان من المؤمنين المتقين الصالحين) [6] . وإلى هذا أشرت بقولي:
21 -كَذَا مُؤوَّلُ نَصٍّ قَامَ يُنْزِلُهُ ... فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ يَنْجُو مِنَ الْوَصَمِ
المانع الثالث: حداثة عهد بالكفر:
فمن كفر بسبب حداثة عهده بالكفر، يُعذر إلى أن تقوم عليه الحجة الشرعية، لأنه لا يستطيع أن يتعلم جميع ما فرض عليه من عقائد وشرائع في الأيام الأولى من إسلامه. وإلى هذا أشرت بقولي:
22 -أَضِفْ لِذَاكَ حَدِيثَ الْعَهْدِ فِي زَمَنٍ ... بِالْكُفْرِ لَمْ يُعْتَبَرْ يَوْمًا كّذِي قِدَمِ
المانع الرابع: العيش في منطقة نائية، يتعذر وصول العلم إليها:
23 -ألْحِقْ بِأُولاَءِ نَائِي الرُّكْنِ مُنْقَطِعًا ... عَنِ الْوَرَى مَا دَرَى بِالْعِلْمِ وَالْحِكَمِ
المانع الخامس: خطأ غير مقصود:
من موانع تكفير المعين، أن يكون الكفر صادرًا عنه سهوًا وخطأً من غير قصد وإرادة منه، فمثل هذا يعذر لقوله تعالى: (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به، ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورًا رحيمًا) [7] . ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ... ) [8] . ومن ذلك قول الرجل عند ما وجد دابته: (اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح-كما في الصحيح) .
(1) -أخرجه مسلم في (صحيحه) (3/ 1206/رقم:1579 - كتاب المساقاة، باب: تحريم الخمر) -وصححه الشيخ الألباني في (صحيح سنن النسائي) (4349) -. ورواه مالك، في: كتاب الأشربة، باب: جامع تحريم الخمر (2/ 846) ، وقال ابن عبد البر في: (التمهيد) (4/ 140) : (وفي هذا الحديث دليل على أن الإثم مرفوع عمن لم يعلم ... ومن أمكنه التعلم ولم يتعلم أثم والله أعلم) .
(2) -رواه مسلم وغيره بطول.
(3) -ليس كل تأويل يعذر صاحبه ويمنع من تكفيره، فمن كان كفره بسبب تأويل لا تحتمله معاني اللغة ولا مدلولات النص، كتأويلات الباطنية الغلاة وغيرهم، فمثل هذا النوع من التأويل لا يعذر صاحبه، ويوقعه في الزندقة والكفر البواح (قواعد من التكفير) (ص:62) .
(4) -انظر: (العذر بالجهل وقيام الحجة) (ص:116) ، لعبد المنعم.
(5) -سورة المائدة، رقم الآية: (95) .
(6) -انظر: (الفتاوى) (11/ 403) .
(7) -سورة الأحزاب، رقم الآية: (5) .
(8) -رواه ابن ماجة في (سننه(10 - كتاب الطلاق:16 - باب: طلاق المكره والناسي1/ 659/رقم:2045) بلفظ: (إن الله وضع ... ) . وقال البوصيري في: (الزوائد) (1/ 353) : (هذا إسناد صحيح إن سلم من الانقطاع، والظاهر أنه منقطع، قال المزي في:"الأطراف": ورواه بشر بن بكر التينسي، عن الأوزاعي، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن ابن عباس، وليس ببعيد أن يكون السقط من صنعة الوليد بن مسلم فإنه كان يدلس تدليس التسوية) . انظر طرقه في: (صحيح ابن حبان) (9/ 174) ، و (سنن الدارقطني) (4/ 170/171) ، و (المستدرك) (2/ 198) ، و (العلل) للإمام أحمد (1/ 227) ، و (الضعفاء الكبير) للعقيلي (4/ 145) ، و (سنن سعيد بن منصور) (1/ 278/رقم:1144/ 1145//1146) ، و (جامع العلوم والحكم) (3/ 1105/ إلى:1122) لابن رجب، وقد خرج معظم طرقه محققه أبو النور، أو: (2/ 361/ إلى:375) تحقيق: الأرناؤوط، وباجس، إلا أن تحقيق: أبو النور أفضل بكثير من تحقيق الأرناؤوط، وصاحبه. وصححه الألباني في: (صحيح الجامع) (1836) .