الصفحة 85 من 529

4 -وقول ابن عباس: (إن القوم يشركون بكلبهم! يقولون كلبنا يحرسنا، ولولا كلبنا لسرقنا) [1] .

فهذه أربعة أنواع من الحديث، قد كان الناس فيها على أربعة أصناف من التأويل:

فطائفة: تذهب إلى كفر النعمة.

وثانية: تحملها على التغليظ والترهيب.

وثالثة: تجعلها كفر أهل الردة.

ورابعة: تذهبها كلها وتردها.

فكل هذه الوجوه عندنا مردودة غير مقبولة، لما يدخلها من الخلل والفساد.

والذي يرد المذهب الأول ما نعرفه من كلام العرب ولغاتها، وذلك أنهم لا يعرفون كفران النعم إلا بالجحد لأنعم الله وآلائه وهو كالمخبر على نفسه بالعدم، وقد وهب الله الثروة، أو: بالسقم، وقد منَّ الله عليه بالسلامة.

وكذلك ما يكون من كتمان المحاسن ونشر المصائب، فهذا الذي تسميه العرب كفرانًا إن كان ذلك فيما بينهما وبين الله، أو: كان من بعضهم لبعض إذا تناكروا اصطناع المعروف عندهم وتجاحدوه. ينبئك عن ذلك مقالة النبي صلى الله عليه وسلم للنساء: (إنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير-يعني: الزوج-وذلك أن تغضب إحداكن فتقول: ما رأيت منك خيرًا قط) [2] .

فهذا ما في كفر النعمة.

وأما القول الثاني: المحمول على التغليظ فمن أفظع ما تُأُوِّلَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أن جعلوا الخبر عن الله وعن دينه وعيدًا لا حقيقة له. وهذا يؤول إلى إبطال العقاب، لأنه إن أمكن ذلك في واحد منها كان ممكنًا في العقوبات كلها.

(1) -رواه ابن أبي حاتم عن شبيب بن بشر حدثنا عكرمة عن ابن عباس في قوله عز وجل: (فلا تجعلوا لله أندادًا) فذكره بنحوه. وهذا سند ضعيف، شبيب هذا أورده الذهبي في"الضعفاء"وقال:"أبو حاتم: لين الحديث"ومن طريقه رواه ابن جرير عن عكرمة مرسلًا.

(2) -أخرجه الشيخان من حديث ابن عباس. وسيأتي تخريجه قريبًا-إن شاء الله-.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت