فهرس الكتاب
وأما الثالث: الذي بلغ به كفر الردة نفسها فهو شر من الذي قبله، لأنه مذهب الخوارج الذين مرقوا من الدين بالتأويل، فكفروا الناس بصغار الذنوب وكبارها، وقد علمت ما وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من المروق وما أذن فيهم من سفك دمائهم [1] . ثم قد وجدنا الله تعالى يكذّب مقالتهم، وذلك أنه حكم في السارق بقطع اليد، وفي الزاني والقاذف بالجلد، ولو كان الذنب يكفر صاحبه ما كان الحكم على هؤلاء إلا القتل، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال-كما في الصحيح-: (من بدل دينه فاقتلوه) [2] . أفلا ترى أنهم لو كانوا كفارًا لما كانت عقوباتهم القطع والجلد؟ وكذلك قول الله فيمن قتل مظلومًا: (فقد جعلنا لوليه سلطانًا) [3] . فلو كان القتل كفرًا ما كان للولي عفو ولا أخذ دية، ولزمه القتل.
وأما القول الرابع: الذي فيه تضعيف هذه الآثار فليس مذهب من يعتد بقوله، فلا يلتفت إليه، إنما هو احتجاج أهل الأهواء والبدع الذين قصر عملهم عن الاتساع، وَعَييَتْ أذْهانهم عن وجوهها، فلم يجدوا شيئًا أهون عليهم من أن يقولوا: متناقضة فأبطلوها كلها!.
(1) -قال شيخنا أبو الفضل-فرج الله كربته- في كتابه: (كيف تفهم عقيدتك بدون معلم؟ -200سؤال وجواب) (108/ 109) تحت: (السؤال الثمانون بعد المائة) : (وتواترت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بوصفهم وذمهم والتحريض على قتالهم، ففي"الصحيحين"عن سويد بن غفلة قال علي رضي الله عنه: إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فوالله لأن أخر من السماء أحب إلي من أن أكذب عليه، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"سيخرج قوم في آخر الزمان حِداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة". وفيهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"يخرج في هذه الأمة-ولم يقل منها-قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم يقرءون القرآن لا يجاوز حلوقهم أو: حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فينظر الرامي سهمه فيتمارى إلى نصله وإلى رصافه فيتمارى في فوقه هل علق بها من الدم شيء"... ثم قال شيخنا: لذا ذكر البخاري في"صحيحه"تحت باب:"قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم"... وكان ابن عمر يقول:"إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكافرين فجعلوها على المؤمنين". ومن صفاتهم أيضًا قوله صلى الله عليه وسلم:"يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصومه مع صومهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية""متفق عليه"وقال:"سيكون بعدي من أمتي قوم يقرؤون القرآن، لا يجاوز حلوقهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يعودون فيه هم شرار الخلق والخليقة"-(صحيح سنن ابن ماجه) (رقم:140) -، وقال:"الخوارج كلاب أهل النار"- (صحيح سنن ابن ماجه) (رقم:143) . انتهى كلام فضيلة شيخنا أبي الفضل عمر الحدوشي-فك الله أسره-.
(2) -قال الشيخ الألباني في تعليقه على كتاب: (الإيمان) لأبي عبيد (ص:89/رقم التعليق:86) : (أخرجه البخاري وأصحاب السنن من حديث ابن عباس مرفوعًا. وأحمد"5/ 231"من حديث معاذ، وإسناده صحيح على شرط الشيخين) .
(3) -سورة الإسراء، رقم الآية: (33) .