الصفحة 60 من 272

إذا تبين أنه من المستحيل أن يتخلى الإنسان عن كل مقتضيات لا إله إلا الله ، ثم يظل مؤمنا بلا إله إلا الله .. مستحيل بالنسبة للأهداف التي من أجلها أرسل الله الرسل وأنزل معهم الكتاب ، ومستحيل بالنسبة لواقع المجتمع المسلم الذي يحكم بشريعة الله ، ومستحيل بالنسبة لواقع النفس البشرية ، فإلى أي شيء استند الذين يقولون: إن التصديق والإقرار هما كل متطلبات الإيمان ، وإن الأعمال - إن قام بها الإنسان بعد ذلك - فهي رفعة في الدرجات ، وإن لم يقم بها فلا بأس على إيمانه ، الذي يتحقق كاملا بمجرد التصديق والإقرار ؟!

لا شك أنها قولة المرجئة ومن لفّ لفّهم .. وأبسط مراجعة لتاريخ الفرق تدلنا على المصدر الذي جاءت منه هذه القولة الغريبة على روح الإسلام . وإن كان الحق أن المرجئة القدامى - على كل ما أحدثوه من انحراف في فهم الإسلام - لم يتطرقوا قط - ولم يصلوا قط - إلى إسقاط الصلاة أو التحاكم إلى شريعة الله كما أسقطها المرجئة المحدثون ، لأنه لم يكن يدور بخلد أحد خلال القرون الثلاثة عشر الأولى أن هناك إنسانا واحدا في الأرض الإسلامية يمكن أن يسمى مسلما في الحياة الدنيا ، ويظل على قيد الحياة ، وهو يهمل الصلاة ثلاثة أيام متوالية ، أو يتحاكم إلى غير شريعة الله ..

ولكن المرجئة القدامى - مع ذلك - هم الذين وضعوا البذور السامة التي التقطها المرجئة المحدثون ، واستنبتوا منها إسلاما جديدا لم يتنزل به كتاب ولم يُرْسَلْ به رسول .. إسلاما بلا تكاليف ! أو قل: إسلام بلا إسلام !!

إلى أي شيء استند المرجئة - القدامى أو المحدثون سواء - في أن كل المطلوب لإثبات الإيمان هو الإقرار اللساني بالنسبة للحياة الدنيا ، والتصديق والإقرار بالنسبة للحياة الأخرى ؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت