فهرس الكتاب
والآيات كلها ذات دلالة واضحة تدحض كل ما قاله المرجئة في شأن انفصال الإيمان عن العمل ، واعتبار الإيمان المقبول عند الله ، المستوجب لدخول الجنة هو التصديق والإقرار فحسب !
احتج المرجئة كذلك بالمعصية ..
فالمعصية في عمل الجوارح لا تخرج من الإيمان كما اتفق علماء الإسلام . فلا بد إذن أن يكون الإيمان شيئا قائما بذاته ، غير مرتبط بالعمل ، وإلا لزالت صفة الإيمان عمن يرتكب المعصية ولم يعد مؤمنا ..
والاحتجاج بالمعصية على هذه الصورة فيه - ككل حججهم - مغالطة مكشوفة !
فالمعصية حقا لا تخرج من الإيمان . ولكنها بالتأكيد تؤثر فيه !
وتأثير المعصية في حال الإنسان حقيقة لا تحتاج إلى تأكيد ، لأنها ملحوظة مشهودة معهودة . ولكن يكفينا هذا التقرير من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعلم الناس بحقيقة الإيمان ، وحقيقة القلب البشري ، وحقيقة ما يحدث من أثر المعصية فيه .
"إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة ، فإذا هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه ، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه ، وهو الران الذي ذكره الله تعالى:"كلا بل ران على قلوبهم وكانوا يكسبون . كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ، ثم إنهم لصالوا الجحيم" (1) ."
والقلب هو محل الإيمان .. فكيف يستوي القلب الأسود مع القلب الأبيض في الإيمان ؟!
إنما يتأثر الإيمان بالطاعة والمعصية فيزيد وينقص ، ولا يتصور بحال أن يكون حاله في الزيادة كحاله في النقصان .
ومع ذلك فينبغي - كما أشرنا من قبل - أن نضع حدودا للمعصية لا تتعداها مهما اتسع نطاقها ، وهي حدود لا نضعها من عند أنفسنا ، إنما هي مستنبطة من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - .
فالمعصية غير الاستحلال . والاستحلال يخرج من الإيمان ولو لم يقترف الإنسان العمل المنهي عنه .
(1) أخرجه مسلم ومالك في الموطأ .