إذا أخذنا ظاهر الحال - الذي يستدل به المرجئة ومن لفّ لفّهم - فإنه لم يُطْلَبْ من ذلك الإنسان إلا أن يقول بلسانه لا إله إلا الله محمد رسول الله .
ولكن لا تستقيم عقوبة المرتد في الدنيا والآخرة وهو ما يزال ينطق بلسانه لا إله إلا الله محمد رسول الله ، ولا يستقيم تصور عدل الله - سبحانه وتعالى - في الدنيا والآخرة ، إلا أن يكون هذا النطق باللسان قد تضمن مقتضى معينا ، علمه الناطق ، وعلم أنه مُلْزَمٌ به ، فلما نكل عنه - مع أنه ما يزال ينطق الألفاظ بلسانه - حكم عليه بالقتل في الحياة الدنيا ، والخلود في النار في الآخرة .
هل يمكن أن يكون الأمر غير ذلك ؟
أعني هل يمكن أن يكون كل المطلوب هو أن ينطق بلسانه أنه لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، بغير مقتضىً متضمنٍ في هذا النطق ، وملزمٍ للناطق به ، ثم يعاقب هذا العقاب الشديد ، وهو ما يزال قائما بما طلب منه ؟!
كلا ! لا يستقيم الأمر إلا على أساس واحد .. هو أنه حين طلب منه أن يقول بلسانه: لا إله إلا الله محمد رسول الله ، قد طلب منه ضمنا أن يلتزم بمقتضى الشهادتين ، وهو الالتزام بما جاء من عند الله ، والتحاكم إلى شريعة الله .
فإذا قال قائل: لو كان هذا الالتزام مطلوبا لاكتساب صفة الإسلام لنص عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - نصا ، كما نص على ضرورة النطق بلا إله إلا الله .. ولكنا لا نجد شواهد على ذلك ..
فنقول: صحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم ينص على هذا الأمر . فلم يقل لمن جاءه يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله: وتتعهد أيضا أن تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا ، وتتعهد كذلك بالتحاكم إلى شريعة الله وعدم التحاكم إلى شرائع الجاهلية ( وهذا كله هو المقتضى المرتبط بلا إله إلا الله ) .