وهناك أمر آخر مستمد من واقع المجتمع الإسلامي له نفس القوة في شأن الالتزام بمقتضيات لا إله إلا الله . فقد كان للإسلام منذ وجد المجتمع الإسلامي كيان قائم بالفعل ، له صورة واقعة ، معلومة وذائعة ، لا مفترضة افتراضا ولا متخيلة خيالا . فمعلوم سلفا عند كل من جاء يقول لا إله إلا الله أن"المسلم"يصلي صلوات معينة في اليوم والليلة ، ويصوم صياما معينا كل سنة ، ويؤدي زكاة أمواله ، ويحج إلى بيت الله الحرام إن استطاع ، ويتقيد بأحكام معينة منزلة من عند الله حدد فيها للمسلمين الحلال والحرام . ومعلوم عنده سلفا أن المسلم ملتزم بهذا كله ، وأن هذا هو مقتضى كونه مسلما ، وأنه إن نكل عن شيء من ذلك فهو مرتد يوقع عليه حد الردة . فلا يعقل أن يجيء لينطق بالشهادتين وهو يعتزم في دخيلة نفسه أن يعرض نفسه للقتل من قبل سلطان الشريعة القائم في الأرض بالفعل ! إنما المنطقي والمعقول ، أن يكون - وقد جاء ينطق بالشهادتين - قد اعتزم الالتزام بسلطان الشريعة القائم وعدم الخروج عليه .
و لا ينفي هذا بطبيعة الحال أن يكون جاهلا بكثير من الأحكام الفرعية . فكثير منها لا يعلمه إلا المتفقهون في أمر الدين ولكن الذي لا يمكن أن يجهله هو مبدأ الالتزام بما جاء من عند الله ، وأن هذا الالتزام - على الجملة - هو مقتضى نطقه بلا إله إلا الله .
من أجل هذا كان يطلب ممن جاء يدخل في الإسلام أن ينطق بالشهادتين ، ولا يطلب منه أن يقر بالصلاة والصيام والزكاة والحج ، ويقر بالالتزام بأحكام شرع الله ، لأن هذا كله صار"من المعلوم من الدين بالضرورة"بعد أن انتهت فترة التعليم في مبدإ الإسلام . وأصبح الذي ينطق بلسانه"لا إله إلا الله محمد رسول الله"ثم ينكل عن شيء من مقتضياتها يوقع عليه حد الردة في الحياة الدنيا ، ويخلد في النار في الآخرة ، بالتزام واضح لا لبس فيه .