الصفحة 76 من 272

ويقول ابن القيم:"وليس التوحيد مجرد إقرار العبد بأنه لا خالق إلا الله وأن الله رب كل شيء ومليكه كما كان عباد الأصنام يقرون بذلك وهم مشركون . بل التوحيد يتضمن من محبة الله والخضوع له والذلة له وكمال الانقياد لطاعته وإخلاص العبادة له وإرادة وجهه الأعلى بجميع الأقوال والأعمال والمنع والعطاء والحب والبغض ما يحول بين صاحبه وبين الأسباب الداعية إلى المعاصي والإصرار عليها . ومن عرف هذا عرف قول النبي - صلى الله عليه وسلم -:"إن الله حرّم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله"وقوله:"لا يدخل النار من قال لا إله إلا الله"وما جاء من هذا الضرب من الأحاديث التي أشكلت على كثير من الناس حتى ظنها بعضهم منسوخة ، وظنها بعضهم قيلت قبل ورود الأوامر والنواهي واستقرار الشرع ، وحملها بعضهم على نار المشركين والكفار ، وأوّل بعضهم الدخول بالخلود فقال: المعنى لا يدخلها خالدا ، ونحو ذلك من التأويلات المستكرهة . والشارع - صلوات الله وسلامه عليه - لم يجعل ذلك حاصلا لمجرد قول اللسان فقط ، فإن هذا خلاف المعلوم من دين الإسلام . فإن المنافقين يقولونها بألسنتهم وهم تحت الجاحدين لها ، في الدرك الأسفل من النار .. فلا بد من قول القلب وقول اللسان . وقول القلب يتضمن من معرفتها والتصديق بها ومعرفة حقيقة ما تضمنته من النفي والإثبات ، ومعرفة حقيقة الإلهية المنفية عن غير الله ، المختصة به ، التي يستحيل ثبوتها لغيره ، وقيام هذا المعنى بالقلب علما ومعرفة ويقينا وحالا ما يوجب تحريم قائلها على النار .. وتأمل قيام ما قام في قلب قاتل المائة من حقائق الإيمان التي لم تشغله عند السياق عن السير إلى القرية وحملته وهو في تلك الحال على أن جعل ينتقل بصدره ويعالج سكرات الموت ، فهذا أمر آخر وإيمان آخر ، ولا جرم أنه ألحق بالقرية الصالحة وجعل بين أهلها ..." (1)

(1) مدارج السالكين ج 1 ص 330 - 332 طبعة دار الكتاب العربي 1392 هـ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت