إن الواقع الذي نعيشه اليوم خير شاهد في هذه القضية . فالذل والهوان والضعف ، وغلبة الأعداء الذين لا يرقبون في المسلمين إلاًّ ولا ذمة ، وعدوانهم المستمر على كراماتهم ودمائهم وأعراضهم وأموالهم ، هو الحال حين يكون الناس غثاء كغثاء السيل .. وهم لا يكونون كذلك إلا حين يكون إسلامهم هو إسلام التصديق والإقرار ، بلا عمل يعمل من مقتضيات التصديق والإقرار .. فهل يقبل الله من عباده أن يضيعوا دينه ، وينكلوا عن المهمة التي أخرجهم من أجلها ، ثم يكون هذا هو الأصل الذي يفصَّل الدين كله على مقاسه ؟!
إن المجتمع القوي الإيمان ، الراسخ القدم في العمل بمقتضيات لا إله إلا الله ، يستطيع أن يحمل في تياره ضعاف الإيمان ، والكسالى والمتباطئين والمتثاقلين ، ويمضي في طريقه يحقق أهدافه . ولكن حين يصبح كله - أو حتى غالبيته - من ضعاف الإيمان والكسالى والمتباطئين والمتثاقلين ، فهل يقدر على شيء ، وهل يصل إلى شيء ؟!
تستطيع الشجرة القوية أن تحمل بعض الأوراق الذابلة المصفرة ، بل بعض الأغصان المتهاوية كذلك ، ثم تؤتي ثمارها لا تضيرها تلك الوريقات ولا الأغصان . ولكن حين تطالب كل ورقة في الشجرة بحقها في أن تكون ذابلة مصفرة ، وأن يحتسب لها مع ذلك حقها في الوجود على هذه الصورة ما دامت لم تسقط من الشجرة بعد ، فهل لهذه الشجرة من مصير إلا الفناء والموت ؟!
فإذا كان الله - من رحمته بعباده - يتقبل أولئك الضعفاء ، بعد أن يطهرهم من أرجاسهم بالمكوث في نار جهنم ما شاء الله أن يمكثوا ، فهل يجوز لنا أن نقول: إن هذا هو المطلوب من المؤمنين ولا زيادة ، ومن قال إنهم مكلفون بأكثر من ذلك فهو متزيد على دين الله ؟!
مرة ثالثة نقول: لا حرج على فضل الله ، يدخل في رحمته من يشاء . ولكن الله هو الذي أنزل هذه التكاليف وفرضها على المؤمنين . وهو الذي قال: إن دخول الجنة لا يكون بالتمني مع القعود: