ونحب أولا أن نرجع إلى الحديث الذي يستندون إليه:"من قال لا إله إلا الله دخل الجنة".
أسلفنا القول أننا لا نحتاج أن نقول إنه نسخ بنزول التكاليف في المدينة . ولكنا نقول فقط إنه خصص بأحاديث أخرى من قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - فاشترط فيه البراءة من الشرك .
يقول - عليه الصلاة والسلام -:"ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة" (1) .
وقال - عليه الصلاة والسلام -:"من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة" (2) .
وبالمقابلة والجمع بين الحديثين يتحدد لنا في شأن لا إله إلا الله أن البراءة من الشرك هي شرط قبولها عند الله في الآخرة . وقد حدد الله ذلك تحديدا قاطعا في كتابه المنزل:
( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ) (3) .
والشرك أنواع .. يتحدث الخطباء والوعاظ عن بعضها - الذي لا يغضب ذوي السلطان - ويهملون الحديث عن بعضها الآخر !
فالتوجه لغير الله بشيء من ألوان العبادة كالدعاء أو الاستعانة أو الاستغاثة أو النذر أو الذبح .. شرك لا شك فيه . وما أكثر ما يتكلم الخطباء في هذا اللون من الشرك !
والظن بأن مع الله من يرزق أو يضر أو ينفع .. شرك لا شك فيه .. وما أكثر ما يتكلم فيه الخطباء !
والتشريع ( أي التحليل والتحريم ) بغير ما أنزل الله ، والرضى بذلك التشريع ، شرك لا شك فيه . ولكن الناس في قرنهم الأخير هذا قد جَهِلُوا - أو جُهِّلُوا - هذه الحقيقة الخطيرة ، فلم يعودوا يفرقون بين المعصية والشرك ، وصاروا ينظرون إلى هذا اللون من الشرك على أنه معصية مغفورة .. إن لم ينظروا إليه على أنه"ضرورة"مباحة لا إثم فيها . بل إن لم يكن في حسهم - من وراء ذلك - أنها تقدم وتحضر وانعتاق من الأغلال !!
كيف حدث ذلك ؟!
(1) أخرجه مسلم .
(2) أخرجه مسلم .
(3) سورة النساء [ 116 ] .