فتبين من ذلك أن محك صدق الإيمان - بعد اكتمال الدين - أصبح هو التحاكم إلى شريعة الله بعد سلامة الاعتقاد وأداء العبادات . وأن سلامة الاعتقاد وحدها لم تعد تكفي . ولم يعد يكفي كذلك سلامة الاعتقاد وأداء العبادات ، لأن لا إله إلا الله صارت ذات مقتضيات أكثر مما كان لها من المقتضيات في مكة . والإيمان بلا إله إلا الله يقتضي الالتزام بكل ما لها من المقتضيات ( مع وقوع المعصية التي لا تنقض أصل الالتزام ) . فحين كان كل مقتضى لا إله إلا الله في مبدإ الدعوة في مكة هو الإيمان بوحدانية الله - سبحانه وتعالى - والإيمان بأنه أرسل رسوله - صلى الله عليه وسلم - ليبلغ عنه ، كان الإيمان بذلك هو كل المطلوب من أي إنسان يدخل في دين الله . ولما فرضت بعض العبادات صار المقتضى المطلوب هو الإيمان بوحدانية الله وإرساله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - وأداء تلك العبادات ، فلما تمت العبادات في المدينة وأنزلت الأحكام صار المقتضى المطلوب هو الإيمان بالله ورسوله ( وما حول ذلك من تفاصيل حددها الوحي ) والقيام بالعبادات المفروضة ، والالتزام بشرع الله . ولم تعد واحدة من هؤلاء تغني عن أختها أو تجزئ عنها .
ولكن المنافقين لم يكونوا يجادلون في قضية التوحيد ، ولم يكونوا يجادلون كذلك في أمر العبادات ( وإن أدوها في فتور وكسل ) ولكنهم كانوا يَزْوَرُّون ويعرضون عن الأحكام التي تضبط تصرفات المؤمن في حياته الدنيا ، فيميلون عنها إلى حكم الطاغوت ( وهو كل حكم غير حكم الله كما أسلفنا ) . لذلك ركزت الآيات القرآنية في المدينة - بمناسبة الحديث عن المنافقين - على قضية الحكم بما أنزل الله ، لأنها هي القضية التي كانت مثارة يومئذ (1) ، ونزل قول الله الحاسم:
( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) (2)
(1) وهي المثارة اليوم كذلك !
(2) سورة المائدة [ 44 ] .