نعم .. ولكن ذلك كله لا ينصرف إلى التشريع بغير ما أنزل الله . فالحكم في قضية معروضة بغير ما أنزل الله ، بدافع من الدوافع المذكورة في كتب الفقه ، بغير استحلال لذلك الحكم ، هذا شيء ، والتشريع بغير ما أنزل الله شيء آخر مختلف بالمرة . لأنه في الحالة الأولى لا ينقض اعترافه وإقراره بأن شرع الله هو المرجع الذي يرجع إليه في الحكم وإن خالف في التنفيذ . أما في الحالة الثانية فهو يضع من عند نفسه - بغير سلطان من الله - شرعا آخر مخالفا لشرع الله ، ثم يقول - بلسان الحال أو بلسان المقال - لا تنفذوا شرع الله ، ولكن نفذوا هذا الشرع الذي وضعته لأنه مماثل لشرع الله ، أو لأنه أفضل من شرع الله ، أو لأنه أنسب من شرع الله !
وهذا الأمر لم يختلف الفقهاء في تاريخ الإسلام كله على أنه كفر مخرج من الملة .
وأمر آخر لم يختلف الفقهاء في تاريخ الإسلام كله على أنه كفر مخرج من الملة ، هو الرضى عن علم وإرادة بشرع غير شرع الله ، ولا يدخل في ذلك الإكراه بطبيعة الحال لأن الإكراه ينتفي فيه الرضى ، ولذلك قال تعالى:
( مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) (1)
فالتشريع بغير ما أنزل الله ، والرضى بتشريعٍ مخالفٍ لما أنزل الله ، كلاهما - في حكم الله - نقض للا إله إلا الله ، لذلك نزل فيه الحكم القاطع الحاسم: ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) (2)
يقول الإمام ابن كثير في تفسير قوله تعالى:"أفحكم الجااهلية يبغون ؟ ومن أحسن من الله حكم القوم يوقنون":
(1) سورة النحل [ 106 ] .
(2) سورة المائدة [ 44 ] .