"ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المشتمل على كل خير ، الناهي عن كل شر ، وعدل إلى ما سواه من الآراء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله ، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بأهوائهم وآرائهم ، وكا يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيزخان الذي وضع لهم الياسق ، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها ، وفيها كثير من الأحكام أخذها بمجرد نظره وهواه ، فصارت في بنيه شرعا متبعا يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله ، فلا يحكّم سواه في قليل ولا كثير" (1)
هذا الارتباط الوثيق بين لا إله إلا الله وتحكيم شريعة الله ، ظل ثلاثة عشر قرنا متوالية بديهية في حس المسلمين ، لا يتصورون الإسلام من غيرها ، ولا يتصورون في"مسلم"أنه يكون مسلما من غيرها . وكان حكم الشريعة القائم بالفعل في الأرض يعطي القضية ثقل الأمر الواقع ، فلا يفكر الناس في غيره ، ولا يفكرون في أن غيره يمكن أن يقع !
وكان الفارق - في حس المسلمين - بين الإسلام والكفر ، وبين المسلمين والكفار أمران رئيسيان ، فضلا عن أمور كثيرة أخرى ، هما الصلاة وشريعة الله . فالمسلمون يصلون ، ويتحاكمون إلى شريعة الله ، والكفار لا يصلون ، ولا يتحاكمون إلى شريعة الله . ولكن الأمر تغير كثيرا في حس المسلمين بعد الاحتلال الصليبي لبلادهم وتنحية شريعة الله عن الحكم ، ثم تسليط كل العوامل التي تخرج المسلمين من الإسلام .
فأما الجيل الأول فقد كان يرى الحقيقة"الشرعية"واضحة ..
(1) انظر تفسير ابن كثير ج 2 ص 68 .