الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلوات و أتم والتبريكات على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
وبعد:
فإن الانتباه لدراسة علم الواقع بشتى شرائحه، ودوائره لهو نقلة نوعية من حالة المراهقة في العمل الإسلامي إلى حالة الرشد.
ويمكننا تلخيص أهمية دراسة علم الواقع بالنقاط التالية:
1)دراسة علم الواقع واجب شرعي قبل كونه ضرورة يحتمها العمل الإسلامي الراشد:
إن دراسة علم الواقع هو واجب شرعي، وفريضة ربانية، قبل كونه ضرورة من ضرورات العمل الإسلامي ويستفاد ذلك مما يلي:
أ- دراسة علم الواقع مقدمة الواجب لتحقيق المهام الربانية المقدسة في حياة الأمة الإسلامية:
أوجب الله على هذه الأمة الإسلامية، واجبات عظيمة، بحكم الدور الريادي الذي تحمله بين الأمم، بما حباها الله من شهادة على أمم الأرض، ومن هذه الواجبات العظيمة، إقامة الدين بجعل السيادة المطلقة للشرع، ونشره بين أمم الأرض، لإخراج البشرية من حالة الظلم والظلمات التي تفرزها شرائع الغاب، وإقامة العدل في تقسيم ثروات الأرض، وفي كيفية استخدام هذه الثروات، والنهوض لأداء هذه الواجبات الربانية المقدسة، يلزم منه التعرف على السنن الكونية التي أثرت في الواقع، وجعلته يخرج بهذا الشكل وبهذه اللوحة.
وبعبارة أخرى إن تحرك الأمة الإسلامية للقيام بعمل إيجابي تغييري بما يحقق أوامر الله في تأسيس دولة الإسلام وتنزيل أحكام الدين من الحالة النصيّة إلى الحالة التطبيقية يلزم منه بداهة: الأخذ بمقدمات ذلك من معرفة للواقع، والقوى المؤثرة فيه، والسنن الكونية والإلهية التي صنعته، ومن هنا تكمن أهمية دراسة علم الواقع بوصفة مقدمة الواجب لواجبات عظيمة في حياة الأمة الإسلامية (وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) .
ب - دراسة واقع الأمة الإسلامية وحالها، واجب شرعي بحكم الاخوة الإيمانية:
فالمؤمنون اخوة بعقد الله تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) [الحجرات: 10] ، وهم كالجسد الواحد كما وصفهم المصطفى صلى الله عليه وسلم: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) [1] ، فعلى الأخوة أن يتفقدوا حال أخوتهم في شتى بقاع الأرض، كمقدمة للقيام بواجبات الأخوة الإيمانية، من نصرة بالنفس والمال وهو الجهاد، أو لبرهم والإحسان إليهم، وهي الواجبات الاجتماعية، أو لمساعدتهم والوقوف إلى جنبهم.
فكيف لنا أن ننهض لمساعدة اخوتنا المؤمنين في بقاع الأرض إذا لم نعرف قضيتهم أصلًا، وكنا بمعزل ومنأى عنها العلم بالواقع يهيئ لنا هذه المعرفة، فالعلم بواقع الأمة الإسلامية، وقضايا شعوبها في العالم، هو واجب شرعي لأنه مقدمة لتحقيق مفهوم الأخوة الإيمانية. [2]
ج- دراسة علم الواقع واجب شرعي لاستبانة طريق المجرمين:
(1) رواه مسلم رقم (4685) .
(2) هنالك محاضرة بعنوان (الأخوة الإيمانية حقوق وواجبات) فيها شرح طيب للحقوق والواجبات المترتبة على الأخوة الإيمانية منشورة على الإنترنت لكاتب هذه السطور.