وأخيرًا فانه ليس صحيحًا أن هذا المنهج لم يعش طويلًا - كما يقول بعضهم في خبث وكيد؛ وبعضهم في حماسة وغيرة! فان البناء الروحي والاجتماعي والسياسي، الذي قام على أساس هذا المنهج السامق الفريد، والذي لم يستغرق بناؤه سوى قرن واحد من الزمان - بل نصف قرن في الحقيقة - قد ظل يقاوم جميع الآفات التي تسللت إليه، وجميع العداوات التي ساورته، وجميع الهجمات الوحشية التي شنت عليه... اكثر من ألف عام.
وقد ظلت هذه العوامل الرهيبة تساوره وتهاجمه وتتسلل إلى قواعده في إصرار... ووراءها جميع قوى العالم الجاهلي.. فلا تبلغ أن تحطمه من أساسه. ولكنها مع تطاول الزمان، ومع التجمع والترصد، ومع الإصرار والاستمرار؛ ظلت تنقص منه شيئًا فشيئًا، وتنحرف به عن أصوله شيئًا فشيئًا حتى أثخنته فعلا وهددته تهديدا خطيرا.. ومع هذا كله فإنها لم تستطع - حتى اللحظة - تشويه أصوله النظرية، فما تزال هذه الأصول قادرة على البعث الجديد، حين يعتنقها جيل جديد!
ولكي ندرك قيمة هذه الحقيقة التاريخية، ينبغي ان ننظر إلى بناء آخر، قام على منهج جاهلي... ذلك هو بناء الدولة الرومانية.. لقد استغرق هذا البناء قرابة ألف عام.. ثم تحطم فيما لا يزيد على قرن واحد تحت ضربات الهون والقوط.. ولم يقم بعد ذلك أبدًا.. ولا بقيت في أصوله بقية ينهض عليها بعث جديد!
وهذا هو الفارق الأساسي بين منهج الله ومناهج العبيد!
نعم إنه كانت هناك فترة فارعة في تاريخ هذا المنهج - وفي تاريخ