على ان هذه الاشراقة اللامعة، بلغت من التأثير الدائم في واقع الحياة البشرية، قدر ما بلغته من البهاء والرفعة، ومن العظمة والكمال. وخلفت في واقع البشرية التاريخي من الاثار الباقية، ما قد يجعل الجيل الحاضر من هذه البشرية اليوم أقدر على المحاولة من سائر الأجيال التي خلت - بعد تلك الصفوة المختارة من رجال الصدر الأول - وذلك بمساعدة التيارات التي أطلقتها، والرواسب التي خلفتها، في التصورات والقيم، وفي النظم والأوضاع سواء.
وسنحاول في هذا الفصل أن نلم - في اختصار وإجمال يناسبان طبيعة هذا البحث المجمل المختصر - بلمحات عن آثار هذه الاشراقة الوضيئة الفريدة، لا في تاريخ الأمة الإسلامية وحدها، ولكن كذلك في تاريخ البشرية بجملتها.
لقد استطاعت تلك الفترة ان تنشيء في واقع الحياة البشرية عددًا كبيرًا من الشخصيات النموذجية، تتمثل فيها الإنسانية العليا، بصورة غير مسبوقة ولا ملحوقة. صورة تبدو في ظلها جميع الشخصيات البشرية التي نشأت في غير هذا المنهج، أقزامًا صغيرة، أو كائنات لم تستكمل وجودها