فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 436

الانحراف بالقدر الذى يعيننا على معرفة الأسباب التى أردت بناء إلى الواقع الذى نعيشه اليوم .. ذلك أن هدفنا الرئيس ليس الدراسة المفصلة للتاريخ الإسلامى إنما هدفنا أن نرسم صورة واضحة المعالم لواقعنا المعاصر بأبعاده الرئيسية وانحرافتها الرئيسية لنحدد على ضوئها طريق الخلاص.

بدأ الانحراف كما قلنا منذ العهد الأموى. ولكنه كان في معظمه هبوطا عن الذروة العليا أكثر مما كان انحرافا عن الجادة. وإن كان الذى يعيش في جو الذروة ويستنشق أريجه العذب يحس في صدره ضيقا وحرجا من ذلك الهبوط.

كانت هناك مفارقة واضحة ولا شك عن خط الخلافة الراشدة واتجاه بالحياة في مجموعها والجانب السياسى منها خاصة إلى وجهة جديدة غير ما اعتاده الناس في عهد النبوة وخلافة الراشدين. ولكن الأمر في النهاية كان في داخل الدائرة مع شئ من الشذوذ عنها في هذا الموضوع أو ذاك.

أول تغير فاجأ الناس هو الانتقال من الخلافة إلى الملك.

وحقيقة إنه لا يوجد نص يلزم الناس بصورة معينة من الحكم - خلافة أو ملكا [1] - إنما يلتزم الحاكم خليفة أو ملكا أو سلطانا بتنفيذ شريعة الله ويصبح من ثم حاكما شرعيا له على الناس حق السمع والطاعة كما بينت آيات الله وأحاديث رسوله - وكما بين الخليفة الأول رضى الله عنه:"أطيعونى ما أطعت الله فيكم فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لى عليكم".

ولكن النظام الذى اهتدى إليه المسلمون في عهد الذروة كان بلا شك أعدل وأقوم لأنه لا يحصر المسلمين في بيت معين إنما يتيح لهم فرصة أوسع لاختيار من يرونه أصلح الناس لإمامتهم.

(1) عند هذه النقطة يزيغ كثير من الزائغين فيقولون إنه ليس في الإسلام نظام للحكم! ويبررون بذلك تفلتهم من إقامة"الحكم الإسلامي"الذي أمر به الله, والذي يعرفون جيدًا في دخلية أنفسهم أنه غير النظم المستوردة التي يسعون إلي تطبيقها! ثم يلتبس الأمر علي كثير من المخدوعين, بسبب الغزو الفكري من ناحية, والعبد الطويل عن النظام الذي تحكمه شريعة الإسلام من جهة أخري, فيصدقون هذه الفرية عن دين الله, ويتصورونه عقيدة وشعائر تعبدية فحسب, أو مجموعة مواعظ خلقية لتهذيب الضمير, لا علاقة لها بالهيمنة علي واقع الحياة السياسي والاقتصادي والاجتماعي ... تمامًا كما كان الدين الكنسي الأوروبي المحرف! والذي ينبغي أن نجعل بالنا إليه أن شكل الحكم في النظم البشرية له أهمية بالغة لآن"مصدر السلطة"يختلف في كل شكل منها عن الآخر, ويتلف بالتالي أسلوب التشريع ووجهنه. فتختلف الملكية المستبدة عن الملكية المقيدة, وتختلف الجمهورية عن الملكية, والدكتاتورية عن الديمقراطية ... وهكذا. ام في الإسلام فمصدر السلطة واحد لا يتغير مهما تنوعت صورة الحكم؟ ذلك أن الحاكمية في الإسلام ليست للبشر, إنما هي لله. وحيث لا يوجد نص فالفقهاء يجتهدون, ولكن اجتهادهم مقيد في النهاية بمقاصد الشريعة, وبنصوصها العامة, ومن ثم فالتشريع محكوم في النهاية بكتاب الله وسنة رسوله: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [سورة النساء 4/ 59] .

وصحيح أن الأمة الإسلامية - في وضعها الصحيح - هي التي تختار ولي الأمر ببيعة حرة. ولكن هذا الاختيار الحر - وحده - لا يعطي الحاكم الشرعية. إنما الذي يعطيه الشرعية هو الحكم بما أنزل الله. فإن توفر له الاختيار الحر من جانب الأمة ولم يتحقق منه الحكم بما أنزل الله لم يكن حكمه حكمًا إسلاميًا. ومن ثم فإنه إذا ركز علم السياسة الغربي تركيزًا كبيرًا علي شكل الحكم, للاختلاف البيّن الذي يترتب عليه في تحديد"مصدر السلطة"فإن علم السياسة الإسلامي يركز بشدة علي"الحكم بما أنزل الله"لأنه هو الذي يعطي الشرعية للسلطة. وكل حكومة تحكم بما أنزل الله فهي حكومة شرعيية بصرف النظر عن"الشكل"الذي تقوم عليه. وإن كانت التجربة التاريخية تقرر أن الخلافة الراشدة هي النظام الأمثل, لأنها هي الأكمل تطبيقًا لشرييعة الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت